نصائح «واقعيّة» لبايدن

الأكيد أنّ بايدن يتلقّى تقارير وتوصيات متناقضة بشأن كيفية التعامل مع روسيا.

مفهوم «القوة الخارقة» الأميركية الذي وُظّف لتسويغ الهيمنة الأحادية بات منتهي الصلاحية.

الأكثر واقعية ينصحون بخفض سقف التوقّعات في السياسة الخارجية، واقعية ناجمة عن الضمور المستمر للقدرات الأميركية.

ضرورة التنبّه إلى أنّ التنافس بين القوى العظمى ليس تنافساً أيديولوجياً وجودياً لتغيير الأنظمة في الصين وروسيا.

هل تستطيع أميركا العمل مع نواة ضيّقة من الحلفاء للدفاع عن الديموقراطية وحقوق الإنسان والتعاون مع مجموعة أوسع حفاظا على مؤسّسات دولية وقواعد الإجماع؟

هل يتخلى بايدن عن كراهيّته لروسيا ويعمل لضمّها لائتلاف يوازن نفوذ الصين؟ فبكّين هي التهديد الرئيس للمصالح الأميركية اليوم وروسيا قد تكون حليفاً ثميناً لمواجهته!

*     *     *

منذ انتخاب جو بايدن رئيساً للولايات المتحدة، وقبل دخوله إلى البيت الأبيض في الـ20 من الشهر الحالي لتسلّم مهامه رسمياً، انبرت مجموعة من المفكّرين والدبلوماسيين السابقين، تمثّل تياراً وازناً في النخبة الأميركية، لإسداء النصائح إليه بشأن الإصلاحات المطلوبة في السياستين الداخلية والخارجية، لتستعيد بلاده دورها «الريادي» على المستوى الدولي.

وبمعزل عن الأبعاد الأيديولوجية البديهية التي تتضمّنها المقالات والتقارير الصادرة عن هؤلاء، فإنّها بمجملها تقرّ بخطورة التحدّيات التي تواجهها الإدارة الأميركية الجديدة، الناجمة عن تضافر عوامل كالانقسام العرقي والسياسي الداخلي، وجائحة «كورونا» ومفاعيلها، وتراجع هيمنة واشنطن على صعيد عالمي في ظلّ صعود القوى «المنافسة».

اللافت أيضاً هو أنّ التوصيات المقدّمة من قبلهم تتّسم بقدر من الواقعية المتأتية عن إدراك حقيقة الضمور المستمر للقدرات الأميركية. أهمية مواكبة هذا النقاش تنبع من كونها تساعد على تقدير أدق للتحوّلات الجارية في موازين القوى الدولية وتأثيرها على السياسات التي ستتبعها الولايات المتحدة، وانعكاساتها المحتملة على منطقتنا.

من هيمنة أحادية إلى «تعاون تنافسي»

أبرز مؤشّر على أنّ مفهوم «القوة الخارقة» الأميركية قد بات منتهي الصلاحية، والذي وُظّف لتسويغ الهيمنة الأحادية، هو تخلّي جوزيف ناي عنه. المفكّر الذي بلوَر المفهوم في كتابه الشهير «ملزمون بالقيادة» في عام 1991، واعتبر أنّ الولايات المتحدة تمتلك جميع مقوّمات القوة، «الصلبة» منها و«الناعمة»، ما يميّزها عن جميع الدول العظمى السابقة التي تمتّعت ببعض هذه المقوّمات لا بجميعها، أضحى من دعاة «تعاون تنافسي» للحفاظ على «المنافع العامة».

ففي مقال نشره على موقع «ذي ناشيونال أنترست» بعنوان «هل للنظام الدولي الليبرالي مستقبل؟» اعتبر ناي أنّ السؤال الأبرز المطروح على بايدن هو «إذا ما كانت الولايات المتحدة تستطيع العمل مع نواة ضيّقة من الحلفاء للدفاع عن الديموقراطية وحقوق الإنسان والتعاون في الآن نفسه مع مجموعة أوسع من الدول للحفاظ على مؤسّسات دولية مرتكزة على قواعد تحظى بالإجماع لمواجهة تهديدات عالمية، كالتغيير المناخي والأوبئة والهجمات السيبرانية والإرهاب والأزمات الاقتصادية».

التنافس بين القوى العظمى مرشّح للتزايد برأيه، مع النمو المتسارع للقوة الصينية، وما يوصي به للتعامل مع هذا التطوّر هو تعزيز تحالفات الولايات المتحدة مع دول الجوار المتخوّفة منه، كاليابان وكوريا وأستراليا والهند وتعزيز العلاقات مع أوروبا والثقة بحلف «الناتو». غير أنّ تمتين التحالفات لا يتناقض بنظره مع أخذ الوقائع الدولية المستجدة بعين الاعتبار.

لقد انقضى الزمن الذي كانت الولايات المتحدة تلجأ فيه إلى الخيار العسكري متى أرادت: «بعد الحرب الباردة، لم يكن باستطاعة الصين وروسيا موازنة القوة الأميركية التي تجاوزت لمرّات عديدة مبدأ سيادة الدول دفاعاً عن القيَم الليبرالية.

هي قصفت صربيا واجتاحت العراق من دون تفويض من مجلس الأمن، وهاجمت ليبيا لحماية سكّان بنغازي. شعرت روسيا والصين بأنهما تعرضتا للخداع بسبب الغطرسة الأحادية الأميركية.

لكن نموّ القدرات الروسية والصينية منذ تلك الفترة، فرض ضوابط أكثر صرامة على نزعة التدخّل الليبرالية». بكلام آخر غير أيديولوجي، لم تعد الولايات المتحدة قادرة على شنّ الحروب متى تشاء، لأنّ موازين القوى الدولية تغيّرت.

على المستوى الاقتصادي أيضاً، يحذّر ناي من أنّ مسار فسخ الشراكة بين الصين والولايات المتحدة قد يؤدي إلى تعاظم التوجّهات الحمائية، المضرّة بالمصالح الأميركية، إن لم يتزامن مع تفاوض على قواعد جديدة للتجارة ومع تعاون مستمر في الميدان المالي.

ملف روسيا الشائك

بعد 16 يوماً من وصول بايدن إلى موقعه الرئاسي، ستصبح اتفاقية «ستارت» الجديدة بين واشنطن وموسكو، والموقّعة في عام 2011، الخاصّة بالحد من الصواريخ العابرة للقارات ذات الرؤوس النووية، بحكم اللاغية.

الرئيس المنتخب وفريقه أكّدا عزمهما على تمديد صلاحيتها لكن توعّدهما، من جهة أخرى، بردّ شديد القسوة على روسيا المتهمة بالمسؤولية عن الهجوم السيبراني الكبير الذي وقع أخيراً ضد مؤسّسات أميركية حيوية، قد يجعل من التوصل إلى تفاهم بين البلدين مهمّة بالغة الصعوبة.

العلاقات الروسية - الأميركية تدهورت بشكل كبير في العقد الماضي، إلى درجة أنّ الرئيس فلاديمير بوتين، في جواب عن سؤال لأحد الصحافيين عن مستقبلها في عهد بايدن، قال إنّه لا يمكن إفساد علاقات فاسدة أصلاً.

جون ميرشايمر، أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو، وأحد المفكّرين الأميركيين البارزين، دعا في مقال على موقع «ذا ناشيونال إنترست»، بعنوان «على بايدن أن يتبنّى الليبرالية الوطنية لقيادة أميركا إلى الأمام»، الرئيس المنتخب إلى «التخلّي عن كراهيّته لروسيا والعمل لضمّها إلى الائتلاف الهادف إلى موازنة نفوذ الصين. فبكّين، لا موسكو، هي التهديد الرئيسي للمصالح الأميركية اليوم، وروسيا قد تكون حليفاً ثميناً لمواجهته».

غير أنّ كراهية روسيا متجذّرة في فريق بايدن وفي مؤسسات الدولة العميقة. فهذا جايمس باردو، السفير الأميركي الأسبق في بلغاريا والضابط السابق في الاستخبارات العسكرية الأميركية الذي خدم كمساعد لنائب الأمين العام لحلف «الناتو»، يقترح في مقال على موقع «ذا هيل» بعنوان: «بايدن - بوتين: العلاقات الروسية الأميركية بعد ترامب»، اعتماد استراتيجية ضغوط قصوى وعقوبات تستهدف الرئيس الروسي ودائرته الضيّقة لحمله على تغيير سياسته حيال الولايات المتحدة.

ويتابع باردو أنه، واستناداً إلى تجربته الشخصية، فإنّ «الحكّام الديكتاتوريين، وداعميهم الأساسيين في أوساط الأوليغارشية، وعائلاتهم، لا يحتملون العقوبات التي تركز على فسادهم الشخصي وثرواتهم وممتلكاتهم وحريتهم في السفر. على واشنطن أن تلاحق قضائياً رجال بوتين عندما يكون ذلك ممكناً. ينبغي توسيع العقوبات المالية لتطال أعضاء الأوليغارشية وشركاتهم».

ستلاقي مثل هذه الاقتراحات آذاناً صاغية في أوساط الفريق الجديد المعادي لروسيا، لكنّها، في حال اعتمادها رسمياً، ستدفع هذا البلد نحو مواقف أكثر حدّة تجاه الولايات المتحدة، وتضعف إمكانية تعاونه معها في ملفّات مهمّة أخرى، كالعلاقة مع الصين أو الملف النووي الإيراني أو سوريا أو كوريا الشمالية. الأكيد هو أنّ بايدن يتلقّى تقارير وتوصيات متناقضة بشأن كيفية التعامل مع روسيا.

أهداف قابلة للتحقيق

الأكثر واقعية بين الخبراء ينصح بتخفيض سقف التوقّعات في مجال السياسة الخارجية وتحديد أهداف قابلة للتحقيق. روبرت كابلان، الحائز مقعد روبرت شتراوس هوبي في معهد دراسة السياسة الخارجية، أشار في مقال على موقع «ذا ناشيونال إنترست»، بعنوان «ثلاثة إجراءات ينبغي على بايدن اتخاذها لإصلاح السياسة الخارجية الأميركية»، إلى ضرورة التنبّه إلى أنّ التنافس بين القوى العظمى ليس تنافساً أيديولوجياً وجودياً يهدف إلى تغيير الأنظمة في الصين وروسيا.

علاوة على ذلك، ووفقاً لكابلان، فإنّ الشعب الأميركي غير مستعدّ لتأييد سياسة تغيير الأنظمة والأكلاف المترتبة عليها. هو يلفت في مقاله إلى أنّ بين الأسباب التي تفسر الإخفاقات الأميركية على المستويات الداخلية والخارجية، في السنوات الماضية، افتقاد مؤسسات الدولة المتزايد أصحاب الكفاءات العالية، القادرين على إدارة الأزمات، والذين يمتلكون رؤية طويلة الأمد.

يقارن كابلان بين تعامل فريق بوش الأب مع الأزمات الدولية في عهده، النموذجي في تقييمه، كأحداث ساحة تيان آن مين في بكين وانهيار جدار برلين والدخول العراقي إلى الكويت، وبين السياسات المتناقضة للإدارات التالية، وبشكل خاص إدارة ترامب. إصلاح المؤسسات المعنية بالسياسة الخارجية واتباع مقاربات أكثر واقعية في ميدانها هما الأولوية بنظره.

وقد تكون الدعوة إلى خفض سقف التوقّعات في السياسة الخارجية بين خبرائها الأميركيين هي بين المستجدات اللافتة في هذا الوسط الذي سادته لعقود طويلة أطروحات كـ«الأمة التي لا غنى عنها» أو«الهيمنة الحميدة»، وغيرهما من الشعارات المشرعنة للسيطرة الإمبراطورية.

* د. وليد شرارة باحث لبناني في العلاقات الدولية

المصدر | الأخبار