الجمعة 15 يناير 2021 01:39 م

عالم ما بعد كورونا

من أجل ذلك، يمكن القول في هذا الوباء: ربّ ضارّة نافعة. فكم من أزمة شديدة تحوّلت إلى فرصة جديدة؟!

ما كان لمتغيرات عديدة بدأ العالم يتكيّف معها ويتطوّر وفقاً لها أن تبصر النور لولا الدور الذي لعبه فيروس كورونا.

سرّع فيروس كورونا حركة عقارب ساعة التغيير الإلكتروني وهو التغيير الذي تقوم عليه صناعة الزمن الجديد.

عملية التحول بالإلكترونيات الحديثة المتطورة تتم بوتيرة أسرع وأعمق وأشمل. وهذا التحول يحتاج إلى جهدٍ والى يد عاملة أقل.

كانت ثورة التغيير الإلكترونية تشق طريقها بصعوبة وتمهل لكن بعد الكورونا وبسببها اتخذت هذه الثورة أبعاداً أشمل وحركة.. أسرع.

في الزمن الجديد أسواق بلا مال.. فقط بطاقات إلكترونية. وتجارة بلا أسواق.. فقط عروض إلكترونية. ومدارس بلا كتب وألواح.. فقط شاشات إلكترونية..

*     *     *

هناك إجماع على أن عالم ما بعد كورونا هو غير عالم ما قبلها. عالم الغد سيكون أكثر إلكترونياً. في المدارس والجامعات سيكون الاعتماد في الدراسات على الشاشات الإلكترونية.

فرض هذا الأمر، الحرص على منع انتقال العدوى بفيروس كورونا. وفي المعامل والمصانع سيكون الإنتاج وقفاً على يد عاملة أقل وعلى أجهزة التشغيل الإلكترونية أكثر. التواصل بين الناس عبر القارات سيكون أسرع وأكثر دقة عبر الأجهزة الإلكترونية. وسيكون تواصلاً من غير لقاء إلا عبر الشاشات.

كان وباء كوفيد-19 كارثة إنسانية من حيث عدد الضحايا والمصابين. فالرقم في حالة تضخم مستمرة. ولكن هذا الفيروس الذي لا يُرى بالعين المجردة، فرض على العالم نمطاً جديداً من الحياة، ومن العلاقات الإنسانية.

في الطبيعة، كما في الاقتصاد، لا شيء يتكوّن من عدم. ولا شيء يتحوّل إلى عدم. كل شيء يتغير من حال إلى حال. عملية التحول بالإلكترونيات الحديثة المتطورة تتم بوتيرة أسرع وأعمق وأشمل. وهذا التحول يحتاج إلى جهدٍ والى يد عاملة أقل.

الترجمة العملية لهذا الأمر تعني هجرة إنسانية أقل. والاعتماد على الإلكترونيات الحديثة يعني اعتماداً أكثر على اليد العاملة المحلية، أي الذات الوطنية.

عرف العالم سوابق عديدة أخرى. وكان لكل سابقة أسبابها الذاتية. هذه المرة يعود السبب إلى تزامن كورونا مع التطور الإلكتروني. وهو تزامن يسرّع من خطى التغيير في العلاقات بين الإنسان والإنسان، وبين الإنسان والآلة.

العالم يتغير، وهو يتغير أسرع بسبب كورونا. ليست هذه المرة الأولى في التاريخ. يبلغ عدد دول العالم 195 دولة، تُعتبر 39 دولة فقط منها على أنها دول متقدمة. هذا العدد قد يتضاعف نتيجة للمتغيرات الجديدة.

وهو أمر معجز. والذين لا يؤمنون بالمعجزات الاقتصادية مدعوون للإجابة على السؤال التالي:

أين كانت اليابان وكوريا والصين بعد الحرب العالمية الثانية، وأين أصبحت الآن؟ وأين كانت ألمانيا والعديد من الدول الأوروبية الأخرى قبل «مشروع مارشال» وأين أصبحت بعده؟ أين كانت الهند وأين أصبحت بفضل التقنية الإلكترونية التي تبنّتها؟

ما كان للعديد من المتغيرات التي بدأ العالم يتكيّف معها ويتطوّر وفقاً لها، أن تبصر النور لولا الدور الذي لعبه فيروس كورونا. فقد سرّع الفيروس حركة عقارب ساعة التغيير الإلكتروني. وهو التغيير الذي تقوم عليه صناعة الزمن الجديد.

من معالم هذا الزمن الجديد أسواق بلا مال.. فقط بطاقات إلكترونية. وتجارة بلا أسواق.. فقط عروض إلكترونية. ومدارس بلا كتب وألواح.. فقط شاشات إلكترونية.. إلخ.

كانت ثورة التغيير الإلكترونية تشق طريقها بصعوبة وتمهل، ولكن بعد الكورونا وبسببها، اتخذت هذه الثورة أبعاداً أشمل وحركة.. أسرع.

من أجل ذلك، يمكن القول في هذا الوباء: ربّ ضارّة نافعة. فكم من أزمة شديدة تحوّلت إلى فرصة جديدة؟!

* محمد السمّاك كاتب لبناني ناشط في المجتمع المدني.

المصدر | الاتحاد