الأحد 17 يناير 2021 10:36 م

شكلت قمة مجلس التعاون الخليجي التي عُقدت في 5 يناير/كانون الثاني في العلا، إنجازًا كبيرًا في الجهود المبذولة لحل الأزمة الخليجية التي طال أمدها والتي هيمنت على السنوات الأربع من عهد "ترامب" في المنطقة.

وشكلت قمة العلا (التي يطلق عليها أيضًا قمة السلطان قابوس بن سعيد والشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح) نجاحًا كبيرًا لقطر بالذات نظرًا لأن الحصار الذي فرضته السعودية والبحرين والإمارات ومصر، تم رفعه دون أن تقدم الدوحة أي شيء من التنازلات التي طلبتها هذه الدول في يونيو/حزيران 2017.

كما مثلت القمة انتصارا لكل من الكويت وعُمان حيث اعتبرت هاتان الدولتان "المحايدتان" في مجلس التعاون الخليجي أن النزاع الخليجي يقوض السلام والاستقرار الإقليمي وآفاق التكامل الاقتصادي في الخليج.

وفي حين أن اتفاق "التضامن والاستقرار" الموقع في العلا حاول إصلاح أعمق صدع في الخليج منذ عقود، فما يزال من غير الواضح ما إذا كانت بنود الاتفاقية المحددة لرفع الحصار، والتي لم يتم الإعلان عنها بعد، تعالج الأسباب الجذرية التي أدت إلى اندلاع الأزمة في عام 2017.

وبالتالي قد تستمر التوترات بين أعضاء مجلس التعاون الخليجي، وإن كان ذلك بطريقة أقل تصادمية. وفي الوقت نفسه، تمثل القمة خطوة مهمة نحو التقارب السعودي القطري حتى لو ظل مستقبل علاقات الدوحة مع البحرين والإمارات غير واضح إلى حد ما.

دعم الكويت وعمان للمصالحة

يؤمن القائدان الجديدان للكويت وسلطنة عمان، واللذان وصلا إلى السلطة في عام 2020، بالحاجة إلى مجلس تعاون خليجي فعال لتعزيز التعاون والتنسيق بين الدول الأعضاء الست.

وأصبح هذا الأمر أكثر أهمية من أي وقت مضى في ظل جائحة "كورونا" التي تشكل تحديًا مشتركًا للاقتصادات الإقليمية بغض النظر عن الحدود الجيوسياسية، مما يتطلب تعاونا عابرا للحدود مع تحول اهتمام السياسة نحو التعافي بعد الوباء.

واستغلت الكويت -التي دافعت عن الوحدة الخليجية والعربية- مكانتها في المنطقة لجعل دول الحصار وقطر يتوصلون إلى حل، حيث بدأت جهود الوساطة في بداية الأزمة في عام 2017، وبدعم قوي من عُمان. ولم تتخل القيادة الكويتية أبدًا عن الأمل في إمكانية التوصل إلى حل دبلوماسي، حتى في الأوقات التي بدا فيها أن الخلافات لا يمكن تجاوزها.

وبالرغم أن إدارة "ترامب" سعت لتصوير حل الأزمة باعتباره إنجازا لدبلوماسيتها المكوكية في أواخر عام 2020، إلا أن جهود الوساطة الكويتية لعبت بلا شك دورًا حاسمًا في تحقيق هذا الاختراق في العلا.

التقارب والتباعد الإماراتي السعودي

كان ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان" ونظيره في أبوظبي "محمد بن زايد" أهم شخصين خلف الحصار على قطر، وقد عملا بشكل وثيق بعد عام 2015 لتوجيه أجندة السياسة الخارجية لبلديهما في اتجاهات أزعجت بشدة الكويت وعُمان بالإضافة إلى قطر نفسها.

لكن خلال العام الماضي، أصبحت القيادة السعودية حذرة من أبوظبي كحليف، وتباعدت القوتان فيما يتعلق بالعديد من القضايا الإقليمية، من مبادرة السلام العربية والتطبيع مع إسرائيل، ووحدة أراضي اليمن، إلى الاعتراف بشرعية الحكومة السورية.

ويُعتقد أن وليّا العهد لم يتحدثا منذ شهور، فيما يناقض تحالفهما الوثيق في التدخل العسكري في اليمن عام 2015، وكذلك الحصار المفروض على قطر بعد ذلك بعامين.

وقد تنتهج السعودية بعد العلا سياسات على المسرح الدولي تهدف إلى خلق توافق ووحدة أكبر بين الدول الإسلامية السنية المهمة مثل باكستان وماليزيا وتركيا، والتي كانت جميعها على خلاف مع محور الرياض-أبوظبي في السنوات الأخيرة.

ويرحب المسؤولون في الكويت وعُمان وقطر بانطلاق الرياض في مثل هذا المسار الجديد الذي يضع اعتبارات أقل لأبوظبي ويستند بشكل متزايد إلى التوافق بدلاً من المواجهة.

صورة جديدة لولي العهد

لكن مثل هذا التحول في التوجه الدولي للرياض ليس حتميًا، ويلوح في الأفق العديد من الأشياء المجهولة، مثل المخاوف بشأن ما سيحدث للسياسة الخارجية السعودية بعد خلافة ولي العهد للملك "سلمان"، والتي ستحدث على الأرجح خلال فترة الرئيس الأمريكي المنتخب "جو بايدن"، والذي انتقد بشدة سلوك الأمير "محمد بن سلمان" والسعودية مؤخرًا.

ويبدو أن قمة العلا صُممت بعناية للمساعدة في إعادة تأهيل صورة "محمد بن سلمان" كرجل دولة، بدلا من صورة الاستبدادي عديم الرحمة المسؤول عن مقتل "جمال خاشقجي" عام 2018. ومع ذلك، فإن صورته الجديدة تطرح تساؤلاً حول الكيفية التي قد يغير بها "بن سلمان" السياسة الخارجية للرياض إذا ما خلف والده كملك.

وتساءل "عماد حرب" مدير الأبحاث في "المركز العربي" على "تويتر": "هل يمكن أن تكون اتفاقية دول مجلس التعاون الخليجي طريقة الملك سلمان في جعل ابنه يبدو رجل دولة، ثم يمكنه التنازل بسلام؟ يظل القلق مما تخطط الإمارات لفعله بمجرد مغادرته".

المستقبل بين الآمال والواقع

وبينما نرحب بنتائج القمة، فإن التفاؤل الكويتي والعماني بمستقبل دول مجلس التعاون الخليجي يجب أن تخففه حقيقة أن أزمة خليجية جديدة يمكن أن تندلع في أي وقت في المستقبل.

وما تزال هناك أسئلة حول بيان العلا الغامض، بما في ذلك الالتزامات التي تعهدت بها قطر غير إسقاط الدعاوى المرفوعة ضد الرباعي المناهض لقطر.

وحتى الآن، ليس من الواضح ما الذي سيميز بيان العلا عن اتفاقية الرياض لعام 2014، التي أنهت مواجهة دبلوماسية سابقة مع استدعاء مثل هذه المفاهيم عن التضامن بين دول مجلس التعاون الخليجي، لكنها فشلت في وضع بروتوكولات وضمانات للامتثال بين الموقعين.

وبدون آليات للتعامل مع المشاكل المستقبلية بين أعضاء مجلس التعاون الخليجي، فإن هناك أسبابًا تدعو للقلق من تكرار مثل ذلك النوع من الضغط بالقوة الذي حدث في عام 2017.

وربما تكون قمة العلا قد أنهت الحصار، الذي كان أحد أعراض الخلاف الخليجي ولكنها لم تنهِ بالضرورة السبب الجذري له. وحتى لو كان هناك مجال أقل في عام 2021 لذلك النوع من الضغط بالقوة الذي قام به كل من "بن زايد" و"بن سلمان" في عام 2017، فإذا لم يتم معالجة العوامل الكامنة وراء الانقسام فمن المحتمل أن تواصل أطراف النزاع النظر إلى بعضها بدرجات متفاوتة من الشك الحذر.

ومع ذلك، فمن وجهة النظر الكويتية والعمانية، فإن هذه القمة الخليجية تمثل خطوة في الاتجاه الصحيح، وقد شعر المسؤولون في الكويت ومسقط برغبة سعودية حقيقية في مجلس تعاون خليجي فعال في وقت يشهد الكثير من الاضطرابات الإقليمية وعدم اليقين بشأن سياسة واشنطن المستقبلية في الشرق الأوسط.

وإذا تمكن "بن سلمان" من إظهار قدرة على المشاركة الإقليمية الإيجابية، فإن القمة الأخيرة يمكن أن تمضي أكثر في إصلاح العلاقات الممزقة.

المصدر | جيورجيو كافيرو وكريستيان كوتس أولريشسن – ريسبونسبل ستيتكرافت - ترجمة وتحرير الخليج الجديد