الاثنين 18 يناير 2021 03:18 م

انتفاضات 2019: إبداع تأسيسي

لماذا وقعت انتفاضات 2019 وكيف جرت وقائعها في العراق والسودان والجزائر ولبنان؟

لماذا يعتبر الابداع المتعدد الذي ظهر في سياقها "تأسيسياً" يؤشر لتغيير وقع وما زال يجري.

في كل مرة ومع كل خيبة وانكسار تخرج أصوات لتقول "هي النهاية"، "خلاص" و"يكفي".. ثم تعود الشرارة!

"يقال عن النهر الذي يجرف كل شيء في طريقه، أنه عنيف. ولكن لا أحد يلحظ عنف الضفاف التي تُطوّقه" (برتولد بريخت).

يقف من كانوا سابقا فتياناً وفتيات ولم يعودوا كذلك لينظروا بشغف مجبول بتوجس وخشية لمحاولة جديدة تشبه ما سعوا له وتختلف عنها في آن. إنها مجتمعات حية.

*     *     *

تأسيسي لأي شيء؟ ما ظهر خلال انتفاضات 2019 في العراق والجزائر والسودان ولبنان كشف ما كان كامناً أو "مستوراً" لأنه لم يصادف قبلها فرصة للخروج من حيث كان يتكون ويعتمل، وللتعبير عن نفسه.

وكأن الانتفاضات كثفت الزمن وجعلت كل ثانية ثمينة، لا تُعوّض. وهذا الكشف تأسيسي، لأنه يقول تغييرات وقعت، واستمرت تقع خلال الانتفاضات نفسها، ولم تكن لتُلحظ من دون ما جرى، ولم تكن لتسجّل. تغييراتٌ في سوسيولوجيا هذه المجتمعات، في العلاقات القائمة، وكذلك في القناعات والرغبات، أي في العقول.

هناك أولاً الفرح الذي طغى على تلاقي هذه الأعداد الهائلة من الشباب. ذكوراً وإناثاً، بلا تمييز. وهناك الحرية. تكتب وترسم ما تشاء، وتصوغ الشعارات التي ترى أنها الأكثر تعبيراً عن المناسبة، بلا اعتبار لسوى ذلك، ولا خضوع لما كان يفترض أنها معطيات راسخة، أو.. مقدسة، سواء كانت القداسة دينية أم مدنية.

وهناك الشجاعة والإصرار، وقد كانت كل الانتفاضات طويلة النفس، عنيدة، على تفاوت القمع الذي وُوجهت به. وهي لم يحجبها إلا انتشار جائحة كورونا من جهة، وتمترس الحاكمين في صمت كبير من جهة ثانية، خلف أسوارهم المسيّجة، في تعبير عن الانفصال التام عن المجتمع.. في تجسيد لفضيحتهم، ما يطرح أسئلة قلقة عن أدوات التغيير وشروطه.

النصوص التي رصدت انتفاضات 2019 تشير إلى هذه الخصائص، وتشترك في التقاطها وملاحظتها معاً، ووضعها بعلاقة فيما بينها، بينما هي تأتي من أوضاع وسياقات شديدة الاختلاف. ويؤشر هذا الأمر إلى قوة المعنى الذي تحمله.

كان يفترض أن هذا الجيل غير مسيس، وأنه مسحوق بانعدام الأفق القائم أمامه. فإذا بأبنائه وبناته يعيدون تعريف السياسة، ويخترعون قيماً يؤمنون بها، بكل بساطة وبديهية، وإذا بهم "مطمئنون" إلى فعلهم، بل وإلى مصيرهم، حتى حينما يَلوح الموت بوجههم.

لقد استولدوا وسائل للمقاومة، يقومون بتجسيدها بشكل حيّ، بينما ما زال العديد ممن هم أكبر سناً وأكثر اعتياداً على وسائل وأطر بعينها (التنظيم، البرنامج، التوافقات، الإعلانات، إلخ)، يرون في ما حدث نقصاً كبيراً قد يفسر "الفشل".. وكأن ما سبق كان تحقيقاً ونجاحاً!

وبمقدار جمال معنى ما جرى في شوارع بغداد وسواها من مدن العراق، بيروت وسواها من مدن لبنان، الجزائر العاصمة وسواها من أطراف البلد المترامية، الخرطوم والعاصمة المثلثة للسودان وسائر المناطق المنتفضة في البلد مترامي الأطراف هو الآخر، كل ذلك قدم وصفاً وكشفاً، بلغة مؤثرة ومقتصدة في آن.

بود القارئ أن يزور ذلك المقهى الذي تديره شابات في الخرطوم ويقدم برنامج ندوات للجميع، بوده لو يزور الأمهات اللواتي احتللن ساحة الاعتصام في بغداد، يطبخن ويطعمن المنتفضين والمنتفضات (وهذه وظيفة أمومية بامتياز) ويحرسن الموجودين، ويؤازرنَهم، ويطمئنَّهم، ويرعين الشابات اللواتي كسرن كل القيود ورسمن على حيطان المدن وقدن التظاهرات،

ويحلم بأن يختلط بشباب أنصار نوادي كرة القدم المتنافسة في الجزائر ويغني معهم جميعاً وبصوت واحد، وبذلك الحماس الملتهب، "لا كازا ديل مرادية"، ويرغب بأن يزور لبنان "الآخر"، من أقصاه إلى أقصاه، متخطياً الصورة النمطية عنه كمتجر وناد ليلي..

جرى كل ذلك بخفة ومرح لا ينزعان شيئاً عن الجدية والإصرار والوعي الثاقب. ولد جيلٌ، سيتعرف أبناءه على أنفسهم بوصفهم ينتمون إليه، ويعرّفون به ذواتهم.

وهذا بشكل مزدوج: في كل بلد صارت فيه الانتفاضة الأخيرة، ومعاً أيضاً على طول المنطقة. كما كان الأمر مع انتفاضات 2011، كما كان مع انبثاق المقاومة الفلسطينية في أواخر الستينات الفائتة..

وفي كل مرة، ومع كل خيبة وانكسار، تخرج أصوات لتقول "هي النهاية"، "خلاص" و"يكفي".. ثم تعود الشرارة ويقف من كانوا في تلك التواريخ فتياناً وفتيات - ولم يعودوا كذلك - يقفون لينظروا بشغف، مجبول بالتوجس والخشية، إلى المحاولة الجديدة التي تشبه ما كانوا يسعون إليه، وتختلف عنها كثيراً في آن. إنها مجتمعات حية.

* نهلة الشهال كاتبة وناشطة لبنانية، رئيسة تحرير "السفير العربي".  

المصدر | السفير العربي