الجمعة 22 يناير 2021 07:39 ص

ثلاثة أيام صنعت تاريخ أميركا الحديث

ضرب اقتحام الكونغرس في 6 يناير الديمقراطية الأميركية في قلبها مع رفض رئيس منتخب نتائج انتخابات خسرها.

تمادى ترامب وأكد أنها مزورة بدون أن يقدم دليلا ملموسا على ذلك، ورغم رفض عشرات المحاكم المختلفة ادعاءاته.

تبعات ما جرى في 6 يناير ستبدأ تبلورا وتأثيرا بكل ما هو قادم في حياة الأميركيين بما يفوق تأثيرات هجوم بيرل هاربر وهجمات 11 سبتمبر.

أصبح ترامب أول رئيس في التاريخ الأميركي يحاكم برلمانيا بهدف العزل مرتين بعد اتهام مجلس النواب له بالتحريض على التمرد ضد الحكومة لعرقلة الانتقال السلمى للسلطة.

*     *     *

ذُهلتُ كما ذُهل الأميركيون مما شاهدناه يحدث يوم 6 يناير 2021. لم يعرف التاريخ الأميركي الممتد على مدى 245 عاما يوما واحدا بقوة وجسامة ما شهده مبنى الكابيتول، من اقتحام الكونغرس بواسطة المئات من مؤيدى الرئيس السابق دونالد ترامب حيث جلسة مجلسى النواب والشيوخ المشتركة للتصديق على نتائج الانتخابات الرئاسية 2020، والتى انتهت بفوز الرئيس الجديد الديمقراطى جو بايدن.

وبداية، أرى أن التاريخ الأميركي لم يعرف أياما أو أحداثا كثيرة بقوة وأهمية 6 يناير، وتأثيراتها على طبيعة الدولة الأميركية، ولن أبالغ إذا قلت إنه لم يسبق أن مر يوم بهذه الخطورة والأهمية.

وهناك يومان آخران قد يزاحمان هذا اليوم في حجم الأهمية والتبعات، الأول هو 7 ديسمبر 1941 عندما أغار الأسطول الجوى اليابانى على الأسطول البحرى الأميركي في المحيط الهادى وتحديدا مرفأ بيرل هاربر بجزيرة هاواى، ونتج عن ذلك إعلان الحرب على اليابان ودخول واشنطن الحرب العالمية الثانية.

واليوم الثانى جاء بعد 60 عاما في 11 سبتمبر عام 2001 حين اختطف مجموعة من الإرهابيين 4 طائرات، وأسقطوا بهم برجى التجارة العالميين في قلب مدينة نيويورك، وهاجموا مبنى البنتاجون، لتعلن واشنطن بدء حربها العالمية ضد الإرهاب، لتغزو من خلالها أفغانستان والعراق، ولم تنسحب منهما بصورة كاملة بعد.

فى الحالتين أصبحت أميركا قبل الحدث تختلف تماما عن أميركا بعد الحدث، وأتصور أن 6 يناير 2021 سيتفوق في أهميته وتداعياته على ما نتج عن الحادثتين السابقتين. ستختلف أميركا قبل 6 يناير عن أميركا بعد ذلك التاريخ.

وأرى أن حادثة اقتحام الكونجرس أكثر خطورة من حادثة تدمير الأسطول في بيرل هاربر أو حوادث 11 سبتمبر رغم مقتل 5 أشخاص فقط، في حين قُتل ما يقرب من 3 آلاف شخص في الحادثة الأخيرة، وقتل ما يزيد عن ألفى أميركي في الأولى.

*     *     *

قبل الساعة 8 من صباح يوم 7 ديسمبر هاجمت 353 طائرة عسكرية الأسطول الأميركي في جزيرة هاواى بالمحيط الهادى، ودمرت أغلب القطع البحرية وأغرقت بعضها، وقتل 2400 أميركي. لتعلن الولايات المتحدة بعد ذلك بساعات دخولها الحرب العالمية الثانية، والحرب على اليابان، وعلى ألمانيا لاحقا.

نتج عن دخول أميركا الحرب مقتل 405 آلاف أميركي، وإصابة 670 ألفا آخرين، وانتهت الحرب قبل نهاية عام 1945، لتخرج أميركا منها منتصرة، وتبدأ قيادتها الفعلية للمعسكر الغربى في المواجهة التاريخية مع المعسكر الاشتراكى بقيادة الاتحاد السوفييتى.

تسببت الحرب في اتباع واشنطن سياسات ومواقف غير إنسانية تجاه مئات الآلاف من الأميركيين من أصول يابانية، وتم احتجازهم في معسكرات اعتقال جماعية مؤقتة.

كذلك دفعت ظروف الحرب إعادة ترشح الرئيس روزفلت 4 فترات رئاسية، وبعد انتهاء المعركة تبنى الكونجرس التعديل رقم 22، والذى يحظر على الرئيس الترشح أكثر من فترتين.

*     *     *

قبل الساعة 9 من صباح 11 سبتمبر، وبعد هجمات إرهابية بطائرات مخطوفة نتج عنها مقتل ما يقرب من 3 آلاف شخص، دفعت أميركا لشن ما أطلقت عليه «الحرب على الإرهاب»، لتغزو دولتى أفغانستان قبل نهاية 2001 والعراق في 2003. واليوم وبعد ما يقرب من 20 عاما، لم تنسحب القوات الأميركية بصورة كاملة من الدولتين.

وكلفت الحربان الخزانة الأميركية ما بين 5 إلى 7 تريليونات من الدولارات، وقُتل في أفغانستان أكثر من ألفى جندى، وأصيب أكثر من 20 ألفا آخرين، وقتل في العراق أكثر من 4 آلاف جندى، وأصيب 32 ألفا آخرون.

ونتج عن غزو العراق وأفغانستان مقتل مئات الآلاف من الأبرياء من مواطنى الدولتين وتدمير بناهما التحتية.

وعرفت أميركا سياسات داخلية رآها الكثير من الخبراء دراكونية في طبيعتها سمحت بتوغل الأجهزة الأمنية الأميركية في التنصت، وتتبع الكثير من مواطنيها خاصة المسلمين منهم.

وكان لاستخدام معسكرات اعتقال في جوانتانامو تأثيرات بالغة حول الصورة الأميركية حول العالم خاصة مع ورود أنباء التعذيب والانتهاكات، التى يتعرض لها المعتقلون، وحتى اليوم لم يتم إغلاق المعتقل.

كذلك سمحت الحرب على الإرهاب أن تنشغل واشنطن بمعارك هامشية في الاستراتيجية الكونية، في وقت ركزت فيه الصين على النمو الصناعى والاقتصادى والعسكرى.

وعلى الرغم مما سبق، أرى أن أحداث 6 يناير أكثر خطورة؛ لأنها صنعت بالكامل في أميركا، وهى أزمة أميركية محلية بامتياز تعبر عما وصل إليه حجم الاستقطاب.

*     *     *

وعلى عكس الأزمات السابقة، تضرب أحداث 6 يناير الديمقراطية الأميركية في قلبها مع رفض رئيس منتخب نتائج انتخابات خسرها؛ بل يتمادى ويؤكد أنها مزورة بدون أن يقدم دليلا ملموسا على ذلك، ورغم رفض عشرات المحاكم المختلفة ادعاءات الرئيس ترامب.

وقبل الخطوة الأخيرة والتصديق على نتائج الانتخابات يوم 6 يناير، يؤمن الملايين من أنصاره الجمهوريين أن الانتخابات سُرقت منه.

وأصبح ترامب أول رئيس في التاريخ الأميركي الذى يحاكم برلمانيا بهدف العزل مرتين، بعد أن مرر مجلس النواب قرارا يتهم «الرئيس الأميركي» بالتحريض على التمرد ضد الحكومة الأميركية، بهدف عرقلة الانتقال السلمى للسلطة؛ مما يهدد أمن وسلامة ومصالح الولايات المتحدة وديمقراطيتها بهدف عرقلة الانتقال السلمى للسلطة.

تبعات ما جرى في 6 يناير ستبدأ بالتبلور والتأثير على كل ما هو قادم في حياة الأميركيين بصورة تفوق تأثيرات هجوم بيرل هاربر وهجمات 11 سبتمبر.

* محمد المنشاوي كاتب وباحث في الشأن الأميركي من واشنطن.

المصدر | الشروق