أميركا ما بعد ترامب.. ومستلزمات التعافي

قبل أن ننهال على بايدن بالانتقادات ما رأيكم في أن يمهله الجميع أشهر ليفاجئنا بالجانب الإيجابي؟ لنمنحه فرصة لوضع البلد قبل الحزب والوفاء لقسم تنصيبه.

إذا منحنا بايدن فرصة ليفاجئنا بالجانب الإيجابي، نستطيع حينها كسر الحمى السياسية الفظيعة التي أصابت بلدنا. ألن يكون ذلك مفاجأة سارة؟

*     *     *

لقد نجونا للتو من شيء فظيع: أربع سنوات من حكم رئيس، يدعمه حزب وأصوات تعمل على ضخ نظريات المؤامرة بلا حقيقة، وتجلبها مباشرة إلى أدمغتنا شبكاتٌ اجتماعية غير مسؤولة - وكل ذلك في ظل وباء بلا رحمة. لقد كانت تجربة فظيعة للغاية!

هذا لا يعني أن ترامب لم يفعل أبداً أي شيء جيد، بل يعني أنه لم يكن يستحق ثمن ترك بلدنا أكثر انقساماً وأكثر مرضاً من أي فترة أخرى في التاريخ الحديث.

ولهذا، علينا أن نعمل على إعادة توحيد أنفسنا، وإلغاء برمجتنا، وإعادة التركيز والثقة والطمأنينة. فالبلد برمته في حاجة للذهاب إلى خلوة نهاية الأسبوع ليعيد اكتشاف من نحن والروابط التي توحّدنا - أو على الأقل، التي كانت توحّدنا.

وأعتقد بكل صدق أننا نستطيع أن نكون أفضل مرة أخرى، غير أن تحقيق ذلك يتوقف علينا جميعاً. بالنسبة لي، كانت أبرز سمة في رئاسة ترامب هي أنه عاماً بعد عام ظل يفاجئنا على الجانب السلبي.

فعاماً بعد عام، كان ينزل إلى مستويات جديدة في كسر القواعد، وتلطيخ سمعة كل من سار في فلكه. غير أنه لم يفاجئنا أبداً - ولو مرة واحدة - بالجانب الإيجابي من خلال أفعال لطف أو نقد ذاتي أو مد اليد للخصوم.

شخصيته كانت قدره، ثم أصبحت قدرنا نحن أيضاً. ولكن لديّ خبر سار. ذلك أننا نستطيع التعافي شريطة أن نركّز جميعاً - سياسيين وإعلاميين ونشطاء - على فعل ما لم يستطع ترامب فعله أبداً: مفاجأة بعضنا بعضاً بالجانب الإيجابي. المفاجآت الإيجابية هي قوة قُلِّل من شأنها كثيراً في السياسة والدبلوماسية، والحال أنها هي ما يكسر قيود التشاؤم، ويدفع حدود ما نعتقد أنه ممكن.

كما أنها تذكّرنا بأن المستقبل ليس مصيرنا، وإنما اختيار - تترك الماضي يدفن المستقبل أو المستقبل يدفن الماضي.

وما زلتُ أتذكر أين كنتُ حين وصل أنور السادات إلى إسرائيل، مفاجئاً العالم برغبته في تحقيق السلام. حدثٌ غمرني بفرح عارم وإحساس جديد كلياً بالإمكانات بالنسبة للشرق الأوسط.

والواقع أنني فاجأتُ ترامب ذات مرة. فأنا لم أكن أتردد أبداً في الاتفاق معه عندما كان يفعل شيئاً أعتقد أنه صائب. ولكن بعد أن رعى و«جاريد كوشنر» اتفاق تطبيع العلاقات بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة، كتبتُ مقالاً يشيد بالاتفاق.

وبعد بضعة أيام رنّ هاتفي. وكان المتصل الرئيس ترامب. كانت أولى كلماته: «لم أستطع أن أصدّق أن (نيويورك تايمز) ستسمح لك بكتابة شيء بهذا اللطف».

بالطبع، الصحيفة لا تملي عليّ ما أكتبه، ولهذا بدا مصدوماً؛ لأنني فعلت ذلك بمبادرة شخصية وبملء إرادتي. وقد جعله ذلك يعيد النظر، ولو للحظة، فيّ وفي جريدتي. فالمفاجأة تفعل ذلك.

ولو أن ترامب خرج مرة واحدة عن شخصيته بخصوص شيء كبير وصعب يتحدى قاعدته وفاجأنا بالجانب الإيجابي، بخصوص المناخ مثلاً أو الهجرة، لكنتُ أشدت به أيضاً. غير أنه ما كان ليفعل.

وهذا مؤسف؛ لأننا كصحافيين ومواطنين، نعيش من أجل مفاجأة بالجانب الإيجابي من زعمائنا.

فقد شاهدتُ السيناتور ميت رومني مراراً وتكراراً يضع قسمه بالدفاع عن الدستور قبل حزبه ومصالحه السياسية الشخصية. وفي الأثناء، تعرفنا على بعضنا بعضاً.

والواقع أننا لا نتفق حول كل شيء، ولكن هناك احترام متبادل بيننا. ومؤخراً، قدّمني رومني من أجل إلقاء خطاب عن بُعد على ائتلاف من الحزبين حول العمل المناخي في ولاية يوتا.

وهو ما فاجأ بعض الأشخاص، وربما جعلهم ينظرون إلى الموضوع برمته على نحو مختلف. ومن المفاجئ حقاً ما قد يحدث حينما نفاجئ الناس بالأحسن!

وعليه، لديّ مطلبان لكل أميركي: امنح جو بايدن فرصة ليفاجئك على الجانب الإيجابي، وتحدَّ نفسك لتفاجئه.

وهنا، ينبغي على الشركات الأميركية أن تفاجئنا بأن تقول لروبرت ولاكلن مردوخ إن شبكتهم غذّت «الكذب الكبير» الذي أدى إلى اقتحام الكونغرس الأميركي، وإنها ستكف عن بث إعلاناتها التجارية على أي برنامج ينشر نظريات المؤامرة.

كما يتعين على مارك زوكربرغ وشيريل ساندبرغ (رئيس «فيسبوك» التنفيذي ورئيسة العمليات فيه) أن يفاجئانا بالكف عن تقديم الأخبار التي تقسّمنا وتغضبنا - مقابل أرباح - على مصادر الأخبار الأكثر موثوقية وموضوعية.

وإذا كان لا يوجد على اليسار معادل للعنصريين البيض اليمينيين وغيرهم من المتطرفين الآخرين الذين اجتاحوا مبنى الكابيتول مؤخراً، فإن الليبراليين سيفاجئون أشخاصاً كثيرين على اليمين.

وربما يقنعون البعض بدعم بايدن، إذا رفضوا بقوة «الصواب السياسي» حينما يخنق المعارضة، ولفتوا الانتباه ليس فقط إلى عنف الشرطة– وهو أولوية ملحة بلا شك – لكن أيضاً إلى مصادر العنف في أحياء الأقليات التي ترهب السكان السود والبنيين والبيض على حد سواء. فشخصياً، أرى هذا في مدينتي مينيابوليس كل يوم.

والآن وبعدما رحل تهديد ترامب، علينا جميعاً في قطاع الصحافة والإعلام العودة لفصل الخبر عن الرأي من جديد. فنحن في حاجة لأماكن أكثر، حيث يستطيع الأميركيون من مختلف الألوان السياسية الشعور بأنهم يستطيعون الحصول على أخبارهم بشكل صحيح - دون أن يصبحوا غاضبين أو منقسمين أو ناقمين، ولنترك ذلك لقسم الرأي.

وكما أسلفتُ، فقبل أن ننهال على بايدن بالانتقادات، ما رأيكم في أن يمهله الجميع بضعة أشهر ليفاجئنا بالجانب الإيجابي؟ لنمنحه فرصة لوضع البلد قبل الحزب والوفاء لقسم تنصيبه.

وحينما يكون هناك على درج مبنى «الكابيتول» ظهر الأربعاء، يؤدي اليمين الرئاسية على أن يفعل ذلك بالضبط، ما رأيك في أن نؤدي القسم جميعاً - أنت وأنا وأطفالك ووالداك - معه في البيت: «أقسم على أن أبذل ما في وسعي من أجل الحفاظ على دستور الولايات المتحدة وحمايته والدفاع عنه».

ربما إذا فعلنا جميعا ذلك ومنحنا جميعاً «جو» فرصة ليفاجئنا بالجانب الإيجابي، نستطيع حينها كسر الحمى السياسية الفظيعة التي أصابت بلدنا إلى جانب «كوفيد 19». ألن يكون ذلك مفاجأة سارة؟

* توماس فريدمان كاتب وصحافي أميركي

المصدر | خدمة «نيويورك تايمز»