الاثنين 1 فبراير 2021 08:00 ص

هل بريطانيا العظمى في الطريق إلى بريطانيا الصغرى

العولمة وتماهي الحدود السياسية والاقتصادية والثقافية عبر ترابط تقني واقتصادي وثقافي خلقت ردات فعل حادة لدى الثقافات والهويات الفرعية.

قرار الخروج من الاتحاد الأوروبي لأسباب اقتصادية أساسًا وتحريض أمريكي جعل احتمالات تفكك بريطانيا أمرا قيد النقاش بين قوى سياسية وفي أوساط أكاديمية.

هل مكونات تاريخية وثقافات فرعية شكلت بريطانيا العظمى منذ 927م تعيد النظر بانتمائها لتنتقل لأوروبا الكبرى فتعود بريطانيا لحجمها الطبيعي كما عادت روسيا؟

*     *     *

أزعم بداية ان العولمة، باعتبارها تماهي الحدود السياسية والاقتصادية والثقافية عبر الترابط التقني والاقتصادي والثقافي، خلقت ردات فعل حادة لدى الثقافات الفرعية التي بدأت تشعر بتحويل تدريجي لها الى تراث باهت يتوارى خطوة خطوة، ويبدو ان الضعف الاقتصادي في بعض المجتمعات بسبب اتساع منحنى لورينز داخل المجتمعات وبين بعضها  فتحَ الباب لترتيب عالمي جديد ما زال مموها بدرجة كبيرة.

وعند النظر في التاريخ البريطاني– كحالة للتأمل– سنجد ان هذه الدولة الأعرق في الرأسمالية والتي كانت حتى نهاية الحرب العالمية الأولى تسيطر على 22% من مساحة الكرة الارضية وعلى 20% من سكان العالم، وعلى 18% من الانتاج الصناعي العالمي بدأت في التراجع التدريجي بظهور قوى دولية عملاقة زحزحتها عن موقعها ، واصبحت تحتل المرتبة السادسة في اجمالي الناتج المحلي والمرتبة الخامسة في مؤشر التطور التقني وبراءات الاختراع...الخ.

لكن الخطورة لبريطانيا تتمثل في تداعيات خروجها من الاتحاد الاوروبي، والذي نكأ جرحا عميقا في التاريخ البريطاني. فرحلة انشاء المملكة المتحدة بدأت مع  الملك أثيلستان الذي وحد قبائل الفايكنغ والانغلوسكسون لانشاء الممكة الانكليزية عام 927، ثم بعد 608 سنوات تم ضم ويلز وفرضت اللغة الانكليزية وتم تهميش اللغة الويلزية، وبعد 172 سنة تمت الوحدة الرسمية مع اسكتلندا، لحقتها بعد 94 سنة ايرلندا. لكن بعد 120 سنة وحرب قصيرة عام  1921 تم  تقسيم ايرلندا وانضم جزء منها الى المملكة المتحدة، بينما اصبح الجزء الآخر هو جمهورية إيرلندا الحرة (الجنوبية).

في المرحلة الحالية انتقل "فيروس الانفصال" الى جسد المملكة المتحدة بشكل خاص والى الدول الاوروبية في الاتحاد بشكل عام، فهناك الآن 13 حركة انفصالية في الدول الاوروبية عدا عن بريطانيا (الباسك في اسبانيا، الكورسيكيون في فرنسا، عصبة الشمال في ايطاليا.. إلخ).

لكن قرار بريطانيا بالخروج من الاتحاد الأوروبي (بريكست) ولأسباب اقتصادية بشكل رئيسي وبتغذية وتحريض أنجليكاني أمريكي تحديدا جعل احتمالات تفكك المملكة المتحدة أمرا موضع مناقشات بين القوى السياسية البريطانية وفي الاوساط الاكاديمية  بشكل واضح.

وأحيت موجات المهاجرين خلال العشرية الماضية من الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا نوعا من الحساسيات القومية وهو ما يساهم في تفسير تنامي اليمين الجديد بين القوى السياسية الأوروبية، وامتدت ظلال ذلك الى القوى المحلية في بريطانيا بخاصة في ايرلندا واسكتلندا بل وحتى في بعض شرائح مجتمع ويلز.

من جانب آخر، فان مراقبة الوضع الجيوسياسي  للمكونات البريطانية تشير الى ان نزعة الانفصال مرتبطة بالموقع الجغرافي للمكون البريطاني بخاصة في الاطراف، فاسكتلندا في اقصى الشمال، وايرلندا الشمالية في بر منفصل عن الدولة الأم، بينما الدولة المركز هي انكلترا! أما ويلز فتم تسلل التيار الانفصالي اليها وهي منطقة أطراف كذلك، وتعزز الامر بفقدان الدعم الاوروبي لها وتنامي النزعة الانفصالية في كل من اسكتلندا وإيرلندا.

أما إيرلندا التي كانت حتى عام  1922 مكونة من 32 مقاطعة وانفصل منها بعد الحرب الاهلية 26، أي بنسبة تفوق 82% ، فان  أغلب كاثوليك إيرلندا الشمالية يريدون الانفصال والوحدة مع إيرلندا الجنوبية، بينما اغلب البروتستنت يريدون البقاء مع انكلترا، ووصل العنف الى حد محاولة الجيش الجمهوري الايرلندي اغتيال رئيسة الوزراء مارغريت ثاتشر عام 1984.

ويبدو أن الحزب الجمهوري الأيرلندي الرئيسي شن فين Sinn Féin يرحب بـما يسمونه "الاضطراب الكبير" الذي قد يفتح المجال امام الوحدة " الإيرلندية"، فقد عاد للعمل  تنظيم سري هو "الحزب الجمهوري الجديد" وهو حزب  منشق عن الحزب الجمهوري الانفصالي  القديم والذي مارس العنف خلال الفترة من نهاية الستينات من القرن الماضي الى نهاية التسعينات.

وتجذرت دعوات الانفصال لتصل نسبة مؤيديها الى 62% من سكان شمال إيرلندا نتيجة الضرر الكبير الذي استشعره المزارعون الايرلنديون من قرار البريكسيت.

ناهيك عن "وساوس" إيرلندا الجنوبية بالدعوة للانفصال بخاصة ان دستورها ينص على هدف الوحدة الايرلندية، الى جانب  ان قوة الجذب الايرلندية الجنوبية تزايدت مع تحقيق إيرلندا الجنوبية احد اعلى معدلات النمو الاقتصادي في اوروبا.

وفي اسكتلندا  التي صوتت عام 2014 ضد الانفصال قبل طرح موضوع البريكسيت، نجد ان نسبة تأييد الانفصال التي يعبر عنها  بشكل واضح الحزب الوطني الاسكتلندي  بلغت 46% مقابل 43% للبقاء مع المملكة المتحدة، ومعلوم أن القوميين الانجليز يميلون للتخلص من اسكتلندا.

وبينما كانت ويلز هي الاقل تاييدا للانفصال بنسبة 33%، لكن هذه النسبة تشير الى وزن سياسي ليس قليلا لاسيما أذا راقبنا معدل تزايد هذه النسبة مع السنوات السابقة بخاصة التزايد عقب إقدام مارغريت ثاتشر على اغلاق مناجم الفحم في ويلز في أواسط الثمانينات، الى جانب ارتفاع نسبة الفقر وضآلة معدلات النمو الاقتصادي مقارنة بالمكونات الاوروبية الأخرى.

ولو نظرنا الى نموذج التفكك السوفييتي والتشيكي واليوغسلافي ، فان المركز (روسيا، التشيك، صربيا) كانت تنطوي على نزوع للتخلص من المكونات الاخرى  بخاصة نتيجة الاحساس بانها عبء على المركز.

في المملكة المتحدة، المركز البريطاني (انكلترا) صوت بمعدل 52% للانفصال عن الاتحاد الاوروبي، وفي استطلاع الرأي في حزب المحافظين البريطاني عام  2019، تم طرح التساؤل التالي:  هل تؤيد الخروج من الاتحاد الاوروبي حتى لو أدى الى انفصال اسكتلندا؟ قال 63%  نعم.. ونفس السؤال عن ايرلندا الشمالية ايده 59%!

وهو ما يؤكد  ان الحزب المحافظ البريطاني هو حزب  تتجذر فيه نزعة قومية ودينية مذهبية، ويرى أن  خروج اسكتلندا من المملكة المتحدة سيعزز قوة المحافظين ليبقوا في السلطة.

وطبقا لايقاع التفكك في النماذج المعاصرة ، فان بريطانيا مقدمة على احتمال التفكك خلال الفترة من 2030-2035، وإذا استمر التسارع في الوضع الاقتصادي المتراجع لبريطانيا، فان الفترة قد تسبق ذلك، وهو ما نرجحه اذا أخذنا في الاعتبار أن معدلات النمو الاقتصادي البريطاني خلال الثلاثين سنة الماضية كانت تتباطأ باستمرار. يكفي النظر في المؤشرات التالية لمعدلات النمو:

1987- 5.4%

1997- 5%

2007- 2.4%

2017- 1.7%

2020- 1.3%

أما الميزان التجاري فهو بالسالب منذ عام 2000 الى الآن ، وسأعطي  بعض الامثلة عليها منعا للاطالة:

2010 بلغ العجز التجاري 172 مليار دولار

2016 بلغ العجز التجاري 225 مليار دولار

2019 بلغ العجز التجاري 222 مليار دولار

إن كل هذه المؤشرات تضع اساسا متينا لطرح تساؤلنا: هل المكونات التاريخية من الثقافات الفرعية  التي شكلت ما يسمى  بريطانيا العظمى منذ 927 ميلادي بدأت تعيد النظر في انتمائها لتنتقل من بريطانيا الى أوروبا الكبرى لتعود بريطانيا لحجمها الطبيعي كما عادت روسيا؟

إنها قضية نتركها للنقاش.

* د. وليد عبد الحي أكاديمي وباحث في الدراسات المستقبلية.

المصدر | facebook.com/walid.abdulhay