السبت 20 فبراير 2021 11:04 م

في 10 فبراير/شباط، أعلن "محمد بن راشد آل مكتوم"، نائب رئيس دولة الإمارات رئيس الوزراء حاكم دبي، عن تعديل وزاري تضمن مغادرة وزير الدولة للشؤون الخارجية "أنور قرقاش" وتعيين "شخبوط بن نهيان" بدلا منه، وكذلك مغادرة وزير الدولة للدبلوماسية العامة والثقافية "زكي أنور نسيبة" وتعيين "خليفة شاهين المرر" بدلا منه.

وتثير هذه التغييرات مسألة إعادة توجيه محتملة للدبلوماسية الإماراتية، وذلك بالنظر إلى مدى مركزية "قرقاش" في موقف الدولة على الصعيدين الإقليمي والدولي.

والجدير بالذكر أن "قرقاش" كان وجه وصوت السياسة الإماراتية في ليبيا واليمن واتفاقية التطبيع مع إسرائيل.

وقد يكون التعديل أكثر من مجرد تغيير في الأجيال الذي بدا واضحا فـ"قرقاش" في الستينيات من عمره في حين لا يزال "شخبوط بن نهيان" في أوائل الثلاثينيات، وكان هناك حرص على تقاعد مشرّف لـ"قرقاش" وتجلى ذلك في إعادة تسمية أكاديمية الإمارات الدبلوماسية بأكاديمية "أنور قرقاش" الدبلوماسية، حسب ما أعلنه ولي عهد أبوظبي "محمد بن زايد" عبر "تويتر" بعد التعديل الوزاري مباشرة.

ومع ذلك، يمكن أن يشير القرار أيضًا إلى خطوة أخرى في اتجاه تعزيز دبلوماسية متماسكة متعددة الأوجه. 

وكان استبدال وزيرين وليس "قرقاش" فقط  أمرا معبرا. 

ومنذ أن نالت الإمارات استقلالها قبل 50 عامًا، كان لديها هيكل سلطة ذو رأسين، بين أبوظبي ودبي، وكان لذلك انعكاسات في ديناميكيات السياسة الخارجية المتناقضة.

وفي هذا السياق يرى أستاذ العلاقات الدولية ودراسات الخليج بجامعة جورج تاون "جيرد نونمان" أنه خلال الحرب الإيرانية العراقية، على سبيل المثال، تميزت الإمارات بمعسكرين حيث قادت دبي "الحياد" بوضوح (مع الشارقة وأم القيوين) بينما اتبعت أبوظبي سياسة منطقة الخليج التي شكّلت مجلس التعاون الموالي للعراق (إلى جانب رأس الخيمة وعجمان والفجيرة).

وقال المحلل السياسي الأمريكي "جورجيو كافيرو": "أدت الاختلافات الجوهرية بين أبوظبي ودبي في الآونة الأخيرة إلى تعقيد العلاقات الثنائية بين الإمارات وإيران".

وأضاف أن نهج أبوظبي يشبه الموقف الثابت للقيادة السعودية تجاه طهران بينما ينظر قادة دبي إلى علاقتهم مع إيران من خلال عدسة تجارية، مع إعطاء الأولوية للعلاقات التجارية فوق السياسة.

وبدلاً من أن يسبب ذلك مشكلة، فإن هذه المواقف المتباينة بين الإمارات الرئيسية أعطت الدولة بعض المجال للمناورة داخل إطار الخليج الأمني.

لقد سمح ذلك بالفعل للدولة الخليجية الصغيرة بتنفيذ سياسات متباينة عن جارتها الأكبر دون أن يبدو أنها تتحدى وجهات نظر السعودية.

ولعل أفضل ما يوضح ذلك هو خفض الإمارات لمستوى علاقاتها مع إيران، وليس وقفها، وهو ما حصل عندما قطعت السعودية والبحرين والسودان العلاقات في أوائل عام 2016 بعد الهجمات على السفارة السعودية في طهران.

ومع ذلك، حاولت أبوظبي التحقق من طموحات دبي في عدة مناسبات.

ويوضح الكاتب "كريم سادجادبور" كيف أن الأزمة المالية العالمية عام 2008، والتي تعرضت خلالها دبي لضربة شديدة أنقذتها منها أبوظبي، أعطت أبوظبي نفوذًا اقتصاديًا وسياسيًا على دبي، وكانت النتيجة المباشرة أن الإمارات أصبحت تتحدث بصوت واحد.

ويشير الباحث الأول في معهد تشاتام هاوس "بيتر سالزبري" أيضًا إلى أن أبوظبي تعمل بهدوء لتقليل العلاقات الاقتصادية لإمارات معينة مع إيران، بما في ذلك دور دبي كمركز مالي للأعمال الإيرانية التي تخرق العقوبات.

تسببت جائحة "كورونا" طوال عام 2020، في خسائر فادحة في دبي بشكل خاص، وهو ما يفسر الخطة المختلفة التي اعتمدتها لمواجهة الفيروس، والتي تتعارض مع خطة أبوظبي.

ويلاحظ "جيم كرين" في مقال نشرته صحيفة "واشنطن بوست" أن "دبي تنهار إذا اضطرت إلى إغلاق السفر وتطبيق المسافة الاجتماعية فيما لن تتأثر أبوظبي تقريبًا".

وقد أدى ذلك إلى قرار دبي بإعادة فتح السياحة في وقت مبكر، مقارنة بالنهج الأكثر صرامة في أبوظبي.

وبالإضافة إلى حملة "أقصى ضغط" التي شنتها الولايات المتحدة ضد إيران، خلقت هذه الصعوبات الاقتصادية في دبي سياقًا يمكن من خلاله توقع أن تحاول أبوظبي بالمثل تقوية قوتها في الاتحاد.

ومع ذلك، كان هناك سعي لدمج مقاربات الإمارتين في استراتيجية موحدة.

وقد تجلى ذلك خلال العقد الماضي في صياغة استراتيجية الموانئ الإماراتية حيث استثمرت شركة "موانئ دبي العالمية" في العديد من الموانئ حول العالم، وفي وقت لاحق قامت أبوظبي بعسكرة بعض هذه المواقع في القرن الأفريقي.

وكان هناك عمل مماثل خلال وباء "كورونا"، حيث جرى وضع سهم جديد داخل الجعبة الدبلوماسية لدولة الإمارات يجمع بين الدبلوماسية الإنسانية التي تلعب فيها دبي دورًا فعالاً (من خلال المدينة الإنسانية الدولية)، وفي الوقت نفسه الجهود المبذولة لتعزيز قدرات المراقبة الحرب الإلكترونية والذكاء الاصطناعي الذي ترتكز عليه "المجموعة 42"، وهي شركة مقرها أبوظبي وتعتبر مقربة من العائلة المالكة.

ولا تعمل هذه الاستراتيجية الهجينة فقط على تضييق فجوة الاختلافات في الأساليب بين الإمارات المتنافسة تقليديًا، ولكنها تساعد أيضًا في إنشاء جسور جديدة مع القوى الخارجية لا سيما الصين، كما يتضح من النهج التعاوني بين استراتيجية الموانئ الإماراتية ومبادرة الحزام والطريق الصينية والروابط بين البلدين وسط الاستجابة للوباء.

يمكن أن يؤدي التعديل الوزاري إلى تعزيز استراتيجية السياسة الخارجية متعددة الأوجه لمساعدة الإمارات على الإبحار في علاقة دولية مهمة أخرى وهي العلاقة مع الولايات المتحدة، التي شهدت مؤخرًا تغييرًا كبيرًا في القيادة، مما أدى إلى ضرورة إعادة ضبط السياسة الخارجية بشكل كبير.

وقد يكون توقيت التعيينات الجديدة، بعد أقل من شهر من تنصيب الرئيس "جو بايدن"، مهمًا بحد ذاته. وتشير خلفيات المعينين الجدد إلى أن السياسة الخارجية لدولة الإمارات قد تتطور لتتماشى أكثر مع سياسة الإدارة الأمريكية الجديدة التي تسعى لدعم الجهود الدولية لإنهاء الحروب في اليمن وليبيا وكذلك استئناف الدبلوماسية مع إيران.

كان "خليفة شاهين المرر" خلال مسيرته الدبلوماسية الطويلة (التي بدأت عام 1978)، سفيرًا لدولة الإمارات في 3 دول محورية في أجندة السياسة الخارجية لإدارة "بايدن" وهي إيران وتركيا وسوريا.

وقد تجعله هذه الخبرة إضافة حقيقية في الدبلوماسية التي تركز على إصلاح العلاقات وبناء الجسور في جميع أنحاء المنطقة لتعزيز دور الإمارات كوسيط وممثل إقليمي فعال.

كما شغل "المرر" منصبًا في البعثة الدائمة لدولة الإمارات لدى الأمم المتحدة في نيويورك، مما أكسبه خبرة في المفاوضات متعددة الأطراف حول العديد من القضايا المدرجة على جدول أعمال الإدارة الأمريكية بما في ذلك اليمن وليبيا.

أما "شخبوط بن نهيان" فقد كان سفير الإمارات السابق في السعودية. وقد تمت الإشادة به على نطاق واسع لدوره في تعزيز العلاقات مع السعوديين، وهو ما أكده وزير الخارجية الإماراتي "عبدالله بن زايد" مؤخرًا.

وإلى جانب إضفاء وجه جديد على الدبلوماسية الإماراتية، قد يكون تعيين "شخبوط بن نهيان" إشارة على أن الجهود المبذولة لتأكيد قوة الإمارات في المنطقة لا ينبغي أن تُفسر على أنها تحدٍ لموقف السعودية.

ويبدو هذا مهمًا بشكل خاص على خلفية التوقعات المتزايدة بأن السعودية والإمارات قد يتخذون مسارات بعيدة عن بعضهم البعض، نظرًا لمقارباتهم المتباينة والمتضاربة أحيانًا لقضايا مثل التدخل في اليمن، واتفاقيات التطبيع مع إسرائيل، أو المصالحة الأخيرة مع قطر.

أخيرًا وليس آخرًا، يعيد تعيين أحد أفراد عائلة "آل نهيان"، من قبيلة "بني ياس" القوية، توحيد الوظائف السيادية للدولة حول العائلة المالكة (في حين لم يكن "قرقاش" ولا "نسيبة" من قبيلة "بني ياس").

وفي حين أن الأمر قد يستغرق بعض الوقت لمعرفة ما إذا كانت مواقف "المرر" السابقة ستُترجم إلى دبلوماسية متجددة مع إيران وتركيا، إلا أنه يمكن اعتبار التعديل الوزاري على الفور رسالة إقليمية ومحلية بأنه لا يوجد توترات كبيرة، كما يبدو، بين سياسات الإمارات والسعودية وكذلك بين أبوظبي ودبي.

على المستوى الإقليمي، كانت الإمارات حذرة بالفعل في التعبير عن عدم موافقتها على المواقف السعودية الأخيرة، وقد لعبت دبي دورا في هذه السياسة الحذرة.

وكان حضور "محمد بن راشد"، بدلاً من "محمد بن زايد"، في قمة مصالحة العلا مع قطر في يناير/كانون الثاني، على سبيل المثال، بمثابة إشارة خفية.

وداخليا، يعتبر تعيين "المرر"، وهو دبلوماسي محترف من دبي، رسالة بخصوص التقارب بين رئيسي دولة الإمارات.

وفي هذا الصدد، كانت صور الحفل التي جمعت "محمد بن راشد" و"محمد بن زايد" خلال تقديم وسام الاتحاد لـ"قرقاش" و"نسيبة" رمزية للغاية، وإن كانت أقل استعراضا من تلك المتعلقة بمراسم إطلاق بعثة الإمارات للمريخ.

ومع اقتراب دولة الإمارات من عيد ميلادها الخمسين، فإن هذه الإشارات للتأكيد على التنسيق والتحالف القوي بين الإمارات الرئيسية في البيئة الإقليمية والدولية المتغيرة، تأتي في وقتها المناسب.

المصدر | إيما سوبرييه - معهد دول الخليج العربية – ترجمة وتحرير الخليج الجديد