الأربعاء 24 فبراير 2021 08:48 ص

الشيخ أحمد زكي يماني

ارتبط اسمه لدى الناس والإعلام الغربي بالنفط كألمع وزير نفط في سنوات صعبة شهدت أزمة استعماله سلاحا بوجه الأمريكيين عام 1973.

تعددت اهتمامات أحمد زكي يماني وأنشطته فقد سخّر وقته وماله طوال عقود لأعمال خير متعددة بعيدة عن الإعلام ورعى مشاريع فكرية وثقافية رائدة خاصة.

*     *     *

التحق بجوار ربه يوم أمس الشيخ أحمد زكي يماني، أحد أشهر وأهم رجالات السياسة العربية في القرن العشرين بلا جدال، وذلك بعد أنهكه المرض في السنوات الأخيرة دون أن ينجح في أن ينتزع منه صبره وهدوءه وكذلك ابتسامته الخفيفة المعبّرة.

عندما التقيت به لأول مرة عام 1998 في لندن لإجراء لقاء تلفزيوني خضنا فيه من النفط، الذي خبر أسراره وزيرا سعوديا للنفط زهاء ربع قرن وأول أمين عام لمنظمة الدول المصدّرة للنفط «أوبك» طوال تلك الفترة، إلى قضايا ذات صلة بالفكر والمجتمع والمرأة.

لم يدر بخلدي أن صداقة شخصية ستجمعنا منذ ذلك التاريخ فتحت الباب لألفة ومودة، شملت أسرتينا كذلك، وساهمت في معرفة الرجل عن قرب وتبادل الرأي معه في شجون شتى من السياسة إلى الدين إلى التاريخ.

ارتبط اسم الراحل في ذهنية الناس والإعلام، لاسيما الغربي منه، بالنفط وهو من كان ألمع وزير نفط في سنوات صعبة للغاية شهدت مثلا أزمة استعماله سلاحا في وجه الأمريكيين عام 1973، أو عملية اختطاف وزراء نفط «أوبك» في ديسمبر 1975 على يد مجموعة قادها «كارلوس».

كما اضطلع الرجل بأدوار سياسية كبرى في اتصالات كلفه بها الملك الراحل فيصل بن عبد العزيز لدى كل من شاه إيران وصدام حسين وحافظ الأسد وغيرهم، كما كان طوال فترة توليه الوزارة عنصرا فاعلا في توجيه دفة السياسة السعودية لا سيما الخارجية منها، مستفيدا من ثقافته القانونية الواسعة ولباقته في الحديث وإجادته للغة الإنكليزية وفن مخاطبة الرأي العام الأمريكي والغربي عموما الذي ظل طوال تلك السنوات نجمه المفضل الذي يرصد كل أقواله وتحركاته.

مع ذلك من الظلم أن نضع الفقيد في خانة النفط دون غيرها، حتى وإن ظل وثيق الصلة بها بإنشائه مركزا مختصا في الدراسات النفطية في لندن فللرجل اهتمامات وأنشطة أخرى متعددة. لقد سخّـر وقته وماله طوال السنوات الماضية، ليس فقط للأعمال الخيرية المتعددة التي ظلت بعيدة عن الإعلام وما يمتزج به أحيانا من رياء وتفاخر، وإنما أيضا لرعاية مشاريع فكرية وثقافية رائدة خاصة عبر مؤسسة «الفرقان للتراث الإسلامي» التي أسسها في لندن.

لقد أصدرت هذه المؤسسة من الأعمال ما سيظل مرجعا لا غنى عنه للأجيال المتعاقبة خاصة تلك الكتب الموسوعية الضخمة المتسلسلة عن تاريخ مكة والمدينة، وأيضا ذلك المجلد الضخم الذي تم تخصيصه لمدينة القدس الشريف وتوثيق أملاك العرب والفلسطينيين فيها من خلال رسوم الملكيات الموثقة والمسجلة منذ العهد العثماني، مما ينسف روايات الاحتلال الإسرائيلي وغلاة مستوطنيه.

لقد استطاع الشيخ أحمد زكي يماني المنحدر من عائلة دينية عريقة، لمع فيها قضاة ومفتون في السعودية وخارجها، أن يكون متصالحا مع نفسه بذاك المزج الفريد بين خلفيته القانونية العصرية، وهو خريج أعرق الجامعات مثل «هارفرد» الأمريكية و«كامبريدج» البريطانية، وبين هويته الدينية والثقافية والافتخار بهما.

لقد أفلح في أن يعثر على توليفته الخاصة دونما انغلاق يكبّله على الانفتاح على الثقافات الأخرى بكل تسامح ونبذ للتعصب والتطرف.

نجح الشيخ يماني، المتعدد الأصدقاء من كل العالم، العرب منهم والأجانب، في أن يحّول بيته سواء داخل المملكة العربية السعودية أو خارجها، إلى ما يشبه الملتقيات السياسية والفكرية التي يستضيف فيها هؤلاء الأصدقاء من جنسيات مختلفة فتخاض فيها كل النقاشات، الحديث منه والتاريخي.

كان في مجالسه، عميق الانصات قليل الكلام مُجسدا بشكل دائم مقولة خير الكلام ما قلّ ودل. انعكس ذلك حتى في مقابلاته الصحافية فرغم كونه كان مطلوبا بإلحاح من عديد الصحف والمجلات والقنوات التلفزيونية إلا أنه كان قليل الظهور حتى يجعل من مثل هذا الظهور نوعيا ومفيدا قبل أي شيء آخر.

لم يفقد الراحل أبدا نهمه بالسياسة ورصد تطوراتها المختلفة، كانت شاشة التلفزيون في مكتبه ومجلسه مثبّتة دائما على الأخبار ولم يكن يخفي ألمه مما آلت إليه الأوضاع العربية عموما مُبديا خشيته، بل ربما يقينه، من أن الآتي قد يكون أسوأ وأمر.

تشاء الأقدار أن يرحل الشيخ يماني في لندن وسط عائلته، التي لم تتركه ولو للحظة في محنة مرضه الطويل، وتشاء أقدار الرحمان كذلك أن يموت قبله بيوم واحد فقط لا غير الرجل الذي صوّب نحوه ذات يوم مسدسه وكاد أن يرديه قتيلا في عملية خطف رهائن أعضاء منظمة الدول المصدرة للنفط أوبك في فيينا في 1975.

لقد مات أنيس النقاش الذي شارك مع الفنزويلي إيليتش راميريز سانشيز المعروف باسم كارلوس بعد أن كان سُجن لعشر سنوات في فرنسا، بعد محاولة اغتيال رئيس الوزراء الإيراني الأسبق شابور بختيار في باريس قبل أن يفرج عنه عام 1990 في صفقة مع فرنسا.

رحم الله الشيخ زكي يماني الذي ينطبق عليه البيت المنسوب للإمام الشافعي (ر) من قصيدته (الناس للناس) والذي يقول:

قد مات قوم وما ماتت فضائلهم *** وعاش قوم وهم في الناس أموات.

* محمد كريشان كاتب وإعلامي تونسي

المصدر | القدس العربي