معالم تفاهمات روسية ــ إسرائيلية حول سوريا

تنسيق روسي إسرائيلي ربما يكون هو عنوان الشراكة الإسرائيلية– الروسية الجديدة بشأن سوريا.

تحافظ روسيا على «تنسيق دقيق مع إسرائيل»، ولا تريد «أن تستخدم الأراضي السورية ضد إسرائيل أو ساحة للمواجهة الإيرانية– الإسرائيلية».

جاء التوجه الإسرائيلي نحو روسيا بكثافة مؤخرا ضمن مخاوف إسرائيلية من مبادرة أمريكية لحل الأزمة السورية لا تنسجم مع مصالح إسرائيل.

*     *     *

ليست كل الإشاعات أكاذيب. فبعض الإشاعات تكون محض أكذوبة تدخل ضمن الحرب النفسية، سواء كانت داخل الدولة الواحدة، أو بين الدول، لكن بعض الإشاعات تتضمن قدراً محسوباً من الحقيقة، سواء كان الغرض من ذلك هو تمرير باقي الأكاذيب، أي كمجرد «طُعم» يراد منه اصطياد الأفكار والعقول ودفعها نحو الاتجاه المرغوب، أو كان الغرض منها تمرير رسائل معينة لفتح ثغرات في الآفاق المعقدة للأزمات والصراعات.

والإشاعة التي جرى تمريرها خلال الأيام القليلة الماضية التي صاحبت صفقة تبادل تحرير عدد من الأسرى السوريين مقابل فتاة «إسرائيلية»، جرت الأسبوع الماضي بوساطة روسية، تدخل ضمن هذا النوع الأخير.

فبمجرد الإفصاح عن نجاح هذه الصفقة اندفع الحديث عن وجود «بند سري» ضمن بنودها، وتدافعت الإشاعات عن مضامين هذا البند وكثرت الاجتهادات التي كان من أبرزها أن إسرائيل «دفعت 102 مليون دولار أمريكي ثمناً لشحنة من لقاح (سبوتنيك في) الروسي ترسل من موسكو إلى دمشق لتلقيح سوريين ضد وباء كورونا».

ورغم نفي بنيامين نتنياهو وجود بند اللقاحات في الصفقة وقوله «أحضرنا الفتاة ولم يذهب لقاح واحد لهذا الشيء.. ولن أصرح أو أفصح عن المزيد لأن هذا طلب روسي».

إلا أن هذا النفي جاء ملغوماً، ويحمل ما يؤكد تلك الإشاعة أكثر مما ينفيها، وربما كان هو الهدف الذي دعمه بيني غانتس وزير الحرب الإسرائيلي في مقابلة له مع القناة 13 الإسرائيلية تعليقاً على ما يجري الحديث عنه حول «البند السري» في الصفقة، بقوله «هناك الكثير من الإشاعات على شبكة الإنترنت.. الأفضل أن تبقى كذلك»، ما يعني أنه يدعم مواصلة تدافع مثل هذا النوع من الإشاعات، وهنا يجدر التساؤل: لماذا؟

توجد الكثير من الاجتهادات في هذا الخصوص، من أهمها وأبرزها أن مؤشرات جديدة لتسوية الأزمة السورية بدأت تتكشف في الأسابيع الأخيرة، منذ مجيء إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن خلفاً لإدارة الرئيس السابق دونالد ترامب.

والتي كانت شديدة الارتباك والتردد في تفاعلها مع الأزمة السورية، ما بين نوايا الانسحاب من سوريا، وبين تأكيد البقاء للسيطرة على النفط السوري، وللحيلولة دون تمكين روسيا من جني ثمار تدخلها العسكري والسياسي في سوريا، ولدعم المطالب الإسرائيلية، وعلى الأخص إخراج إيران من سوريا، وإغلاق الحدود السورية- العراقية أمام إيران.

حديث التسوية آخذ في التردد تزامناً مع ملامح لتسويات مهمة لبعض الأزمات العربية، وحتى الشرق أوسطية المستعصية، خاصة الأزمتين الليبية واليمنية، وكذلك الأزمة الأمريكية- الإيرانية حول الاتفاق النووي الموقع مع إيران عام 2015 من جانب دول «مجموعة 5+1» الدولية.

وهنا تأتي الصفقة الأخيرة حول تسليم الأسرى بين كل سوريا وإسرائيل بوساطة روسيا لتبرز أحد أهم معالم ما يمكن أن يكون تسوية للأزمة السورية، وهو أن روسيا ستكون الطرف القوي والأهم الذي يمكن أن يقود هذه التسوية، ولكن بتفاهمات مع الولايات المتحدة.

ويبدو أن إسرائيل تعي ذلك جيداً، وهذا ما جعلها تركز على التعامل مع روسيا وليس مع الولايات المتحدة بالنسبة إلى ما يخص الملف السوري، مستفيدة من «التفاهمات» شديدة الأهمية التي استطاع نتنياهو نسجها مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال السنوات الثلاث الأخيرة.

التوجه الإسرائيلي نحو روسيا بكثافة في الأسابيع الأخيرة جاء ضمن مخاوف إسرائيلية من مبادرة أمريكية لحل الأزمة السورية لا تنسجم مع المصالح الإسرائيلية.

وبالذات في ضوء ما فهمه نتنياهو من وجود نوايا جادة لدى الإدارة الأمريكية الجديدة للعودة إلى الاتفاق النووي مع إيران متجاوزة كل التحفظات الإسرائيلية، وامتناع وزير الخارجية الأمريكي الجديد أنتوني بلينكن عن تأييد اعتراف الإدارة الأمريكية السابقة للرئيس دونالد ترامب بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان المحتلة.

ورغم تأكيدات بلينكن على الالتزام بالأمن الإسرائيلي وإعلانه الإبقاء على السفارة الأمريكية في القدس، إلا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي لم يخل تعليقه على هذا الموقف الأمريكي الجديد بخصوص هضبة الجولان من التحدي، حيث أصدر مكتبه بياناً شديد اللهجة جاء فيه أن «موقف إسرائيل من موضوع هضبة الجولان واضح: هضبة الجولان ستبقى إسرائيلية في كل سيناريو محتمل».

 رهان إسرائيل على روسيا بدلاً من الولايات المتحدة يتوازى مع رهان روسي أيضاً على إسرائيل بدلاً من إيران، وبدلاً من الولايات المتحدة، وحتى بدلاً من الحليف السوري نفسه. فإذا كانت روسيا أبدت انزعاجها من إشارات وصلت إليها تعبر عن رغبة دمشق في الحوار مع الإدارة الأمريكية الجديدة، فإنها ضاعفت من تواصلها مع إسرائيل ليس ضمن صفقة التبادل المشار إليها فقط، بل ضمن تفاصيل الحل الأشمل للأزمة السورية والحرص على أن يراعي هذا الحل كل مطالب إسرائيل الأمنية.

وكان سيرغي لافروف وزير الخارجية الروسي قال في مؤتمر صحفي (18/1/2021) إن بلاده تحافظ على «تنسيق دقيق مع الجانب الإسرائيلي»، وأكد أن روسيا لا تريد «أن تستخدم الأراضي السورية ضد إسرائيل، أو أن تستخدم كما يشاء كثيرون ساحة للمواجهة الإيرانية – الإسرائيلية. وربما يكون ذلك هو عنوان الشراكة الإسرائيلية – الروسية الجديدة بشأن سوريا.

* د. محمد السعيد إدريس باحث بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام.

المصدر | الخليج