الجمعة 5 مارس 2021 03:39 م

عندما يبتز صندوق النقد الدولي الفقراء

نصائح الصندوق وشروطه وإملاءاته وابتزازته تستهدف فقط جيب المواطن الفقير

صندوق النقد آخر ما يهمه المواطن والبطالة والفقر والغلاء ونهب المال العام.

في 2020 ضغط صندوق النقد على حكومة الأردن لإلغاء دعم الخبز ويضغط حاليا على الأردن لخفض الرواتب ودعم الوقود.

يخدع صندوق النقد الجميع حينما يطالب علانية الحكومات بتطبيق شعارات براقة كالإصلاح الاقتصادي وحماية محدودي الدخل والفقراء.

همه الأول هو استرداد أمواله وقروضه كاملة حتى ولو جاء ذلك على حساب جثث كل مواطني الدول المدينة. لا يهمه اغراق الدول في تلال من الديون.

*     *     *

هل سمعت يوما أن صندوق النقد الدولي طالب دولة مدينة له بخفض الإنفاق الحكومي والمخصصات المالية الموجهة لدواوين المؤسسات الرسمية والحكومة والبرلمان؟

هل صدر في يوم ما تقرير عن صندوق النقد ينتقد أداء وقصور حكومة دولة لجأت للاقتراض منه في مكافحة الفساد والاحتكارات واهدار المال العام، واساءة استخدامه؟

هل طالبت المؤسسة المالية الدولية، الأبرز في العالم، حكومة ما بمراعاة التوزيع العادل للثروة وعدم تركزها في أيدي 10% من مواطني الدول المدينة وربما أقل من تلك النسبة بكثير؟

طيب، هل طالب الصندوق حكومة دولة مقترضة بخفض الضرائب والجمارك وتحسين مستوى الأسعار بحيث تكون في متناول الجميع وقريبة من الدخول والرواتب، وهل لام الصندوق يوما ما حكومة على زيادة الإنفاق على أسطول سيارات الوزراء ورحلات كبار المسؤولين إلى الخارج؟

الإجابة بالطبع لا، فالصندوق بات ومنذ تأسيسه، في العام 1944 ضمن منظومة بريتون وودز، يعمل لمصلحة الحكومات، لا المواطن الفقير.

بل إن سياسات صندوق النقد تفرم المواطن وتذله عبر الشروط والإملاءات التي يفرضها على الدول المدينة التي تلجأ إليه لإنقاذها من الغرق وتعويمها أمام شعوبها حتى لا تنهار عقب فقدان ثقة الرأي العام بها، والفشل في كبح جماح تضخم الأسعار وتدبير احتياجات المواطن الأساسية من غذاء ودواء ومسكن.

صندوق النقد، الذي تأسس بهدف تعزيز سلامة الاقتصاد العالمي، بات يدهس المواطن عبر إجبار حكومات الدول المدينة على تطبيق روشتة معروفة من أبرز ملامحها:

1- زيادة أسعار السلع والخدمات الضرورية اللصيقة بذلك المواطن الفقير والمعدم، بل متوسط الدخل.

2-  تقليص ثم وقف الدعم الحكومي الموجه لتمويل السلع الرئيسية ومنها رغيف الخبز والمياه والكهرباء والصرف الصحي.

3- زيادة الضرائب والرسوم الحكومية بمعدلات قياسية، وفرض أنواع جديدة من الرسوم والضرائب مثل ضريبة القيمة المضافة على التاجر والصانع والمستهلك في آن واحد، وفرض الضرائب على الشركات المتوسطة والصغيرة والتجارة الإلكترونية والباعة الجائلين.

4-بيع أسعار الوقود بالأسعار العالمية دون مراعاة الدخول والرواتب الضعيفة للمواطن.

قبل أيام وللمرة الثانية في أقل من شهر، طالب صندوق النقد الدولي الحكومة التونسية بخفض فاتورة الأجور والحد من دعم الطاقة لتقليص العجز المالي، أي خفض رواتب موظفي الدولة وتقليص دعم الوقود من بنزين وسولار وغاز طهي وغيره.

لم يراع الصندوق الحالة الحرجة التي تمر بها تونس، ومعاناة البلاد من أزمة مالية وسياسية حادة، والضغوط القوية على الحكومة الهشة، حيث تشهد الدولة صراعاً سياسياً بين اللاعبين الرئيسيين، واحتجاجات مستمرة منذ الشهر الماضي بسبب عدم المساواة الاجتماعية وللمطالبة بالوظائف.

وقبلها مباشرة نصح صندوق النقد الحكومة الانتقالية في السودان بتعويم الجنيه وخفض سعره بنسبة 582% مرة واحدة، وهو ما أدى إلى حدوث ما يشبه الفوضى المالية والاقتصادية في البلاد، وفتح الباب على مصراعيه أمام حدوث قفزات في أسعار السلع والخدمات واختفاء سلع ضرورية مثل الدواء والوقود.

وفي عام 2020 ضغط صندوق النقد على حكومة الأردن لإلغاء دعم الخبز المخصص للعائلات الفقيرة ومتدنية الدخل، إلا أن الحكومة تراجعت عن القرار الخطير في شهر يوليو الماضي خوفا من احتقان الشارع الغاضب، كما أجبر الصندوق حكومة المملكة على إجراء زيادات قياسية في الضرائب والرسوم وخفض الدعم المقدم للسلع بما فيها الوقود والكهرباء والمياه.

وفي نوفمبر 2016 أبرم صندوق النقد اتفاقا مع حكومة مصر تم على أثره تعويم عملتها المحلية الجنيه، وفرض ضريبة القيمة المضافة، وتحرير سعر الوقود وبيعه بالأسعار العالمية، وفرض ضريبة على مستهلكي البنزين والسولار، وهو ما فتح نار جهنم على المواطن الذي وجد نفسه أمام قفزات غير مسبوقة في أسعار كل شيء، من سلع وخدمات وإيجارات عقارات ومصروفات تعليم وعلاج ومواصلات عامة واتصالات.

صندوق النقد هو عدو المواطن الأول والداعم القوي للحكومات، خاصة تلك التي تلقى قبولا لدى المجتمع الدولي والبيت الأبيض، لا ينصح إلا بالسهل على الحكومات والقاسي على الشعوب.

لم نسمع أنه طالب حكومة دولة ما بمكافحة الفساد وتقليص الإنفاق الحكومي، وخفض مخصصات الجهات الرسمية، والتوقف عن إقامة مشروعات لا تمثل أولوية للمواطن، ومكافحة ظاهرة الاحتكارات في الأسواق، ودعم المشروعات المولدة لفرص العمل.

نصائح الصندوق وشروطه وإملاءاته وابتزازته تستهدف فقط جيب المواطن الفقير، والأخطر رهن مستقبل الدول المدينة للدائنين الدوليين لسنوات طويلة، والتدخل في تحديد أوجه الإنفاق العام بما فيها الإنفاق على الصحة والتعليم.

يخدع الصندوق الجميع حينما يعلن على الملأ مطالبة الحكومات بتطبيق شعارات براقة مثل خطط التحفيز المالي، وبرامج الإصلاح الاقتصادي، وحماية محدودي الدخل والطبقات الفقيرة، وتكوين شبكة أمان وضمان اجتماعي للطبقات الهشة والمنتمية إلى فئة الفقر المدقع، وزيادة النمو وتحفيز الاقتصاد على خلق فرص العمل، وتعزيز الاستقرار المالي، وزيادة الشفافية، وتحسين الإنفاق الاجتماعي.

صندوق النقد آخر ما يهمه المواطن وقضاياه مثل البطالة والفقر وغلاء الأسعار ونهب المال العام، همه الأول هو استرداد أمواله وقروضه كاملة حتى ولو جاء ذلك على حساب جثث كل مواطني الدول المدينة. لا يهمه اغراق الدول في تلال من الديون.

* مصطفى عبد السلام كاتب صحفي اقتصادي

المصدر | العربي الجديد