الاستنجاد بترامب

فاوتشي المغضوب عليه من ترامب لم يجد سبيلاً سوى الاستنجاد بترامب شخصيا ليحث مؤيديه على أخذ اللقاح. لماذا؟

كونه طبيباً طالب فاوتشي بتدابير أكثر صرامة لمواجهة الجائحة فيما كان ترامب يستخف بها ويعتبر دعواته وسواه تهويلاً لمخاطر غير واقعية!

ترامب المتواري عن الأنظار «الافتراضية» ليس متوارياً وفي ظهوره القليل بعد تنصيب بايدن بدا واثقاً من نفسه، مطمئناً لوفاء جزء كبير من قاعدته الانتخابية.

لا الإدارة الديمقراطية ولا قيادة الجمهوريين ولا الإعلام ولا الهيئات الطبية قادرة على تغيير موقف القاعدة المحافظة الرافضة للقاح. وحده ترامب يستطيع!

*     *     *

يقول المثل الشعبي: «إذا طاح الجمل كثرت سكاكينه»، وبصورة من الصور قد ينطبق هذا على دونالد ترامب، رئيس أمريكا السابق!

فلما أيقنت الشركات المتحكمة في وسائل التواصل الاجتماعي الأكثر شهرة وتأثيراً، مثل «تويتر» و«فيسبوك» وسواهما، أن هزيمة ترامب أصبحت محققة أمام غريمه الرئيس الحالي جو بايدن.

وخاصة بعد ما جرى في يوم اقتحام مبنى الكونغرس «كابيتول هِل» من أنصار ترامب، سارعت إلى إلغاء حساباته عليها، ونجحت في منعه من التواصل الذي أدمنه، عبرها، طوال سنوات أربع مع مناصريه وخصومه في الآن نفسه.

لكن ترامب المتواري عن الأنظار «الافتراضية» إن صحّ القول، ليس متوارياً في الواقع.

وفي ظهوره القليل بعد تنصيب بايدن، والذي لا يتجاوز مرة أو مرتين، بدا واثقاً من نفسه، مطمئناً إلى استمرار جزء كبير من قاعدته الانتخابية وفية له، التي ما زال الكثيرون منها يرون فيه المنقذ لأمريكا البيضاء، التي تغيرت صورتها بسبب الهجرة، وأشياء أخرى لا سبيل لشرحها هنا.

في هذا الإطار يستوقفنا خبر، صحي أو طبي في ظاهره، لكنه في جوهره سياسي بامتياز، حين حثّ كبير خبراء الأمراض المعدية في البيت الأبيض أنتوني فاوتشي، دونالد ترامب على تشجيع أنصاره على تلقي لقاح فيروس «كورونا»، قائلاً إن هذه الخطوة ستمثل «تغييراً في قواعد اللعبة».

وفاوتشي أحد الذين تنفسوا الصعداء بعد هزيمة ترامب، فهو كان في الموقع نفسه في ولايته، ولكنه لم يكن على وئام معه، فكونه طبيباً كان يطالب بتدابير أكثر صرامة لمواجهة الجائحة، فيما كان ترامب يستخف بها، ويعتبر دعوات فاوتشي وسواه تهويلاً لمخاطر غير واقعية، وصدّر ترامب هذه القناعة إلى جمهوره الواسع.

وفي مهرجان انتخابي حاشد لترامب في معقله بولاية فلوريدا قبيل الانتخابات، هتف الحضور مطالبين ترامب بإقالة فاوتشي من منصبه، ويومها وعد ترامب بأن ذلك سيتم بعد فوزه في الانتخابات.

لم يفز ترامب. وتمسك بايدن بفاوتشي، وهو العالم بخلافه مع ترامب، ثقة في كفاءته.

لكن فاوتشي المغضوب عليه من ترامب، وهو شعور متبادل بين الرجلين على كل حال، لم يجد سبيلاً سوى الاستنجاد بترامب شخصياً، ليحث مؤيديه على أخذ اللقاح، مدركاً أن خطة بايدن لتلقيح أكبر عدد ممكن من الأمريكيين لن تنجح، بدون تدخل ترامب، بالنظر لشعبيته الكبيرة بين الجمهوريين.

فلا الإدارة الديمقراطية، ولا قيادة الجمهوريين، ولا وسائل الإعلام ولا الأجهزة الطبية قادرة على إحداث هذا التغيير في موقف القاعدة المحافظة الرافضة للقاح. وحده ترامب يستطيع.

* د. حسن مدن كاتب صحفي من البحرين

المصدر | الخليج