الكذب ملح السياسة!

ظاهرة الكذب تصلح معيارا لقياس مبلغ احتقار السلطات المتعاظم للناس بمجتمعاتها.

كيف صارت السلطات بكل مكان ترتكب الكذب عاريا بالصغيرة والكبيرة وبلا أي حرجٍ!

فرنسا لا تقر "بالخطأ"، وتستخدم لغة متعالمة متعالية تضع الكلام الأنيق لوزارتها مقابل كلام هؤلاء "الهمج".

جنوح الناقلة العملاقة في قناة السويس تسبب بتعطيل حركة النقل وتأخر السفن وإلا لكان لبنان ينعم بالمحروقات بلا مشكلة!

هناك أمثلة راهنة أخرى موزعة على العالم كله بلا استثناء ولم يعد مؤكدا أن الأكاذيب التي تخص بلادنا أشد ابتذالاً من سواها.

لا يعقل أن يكون هناك تشابه في الترتيبات حد التطابق بين اليمن ولبنان بينما تفصلهما آلاف الكيلومترات وظروف ومسارات وبنى متباينة.

*     *     *

وصف أحد كتابنا المبدعين حالة اليمن، وكان يظن أنها استثنائية: تشترك البيوت في مولدات كهربائية موزعة على الأحياء، يمتلكها ويتحكم بها "زعماء" صغار يعملون بغطاء ورضا "زعماء" أكبر منهم، وصولاً إلى أصحاب السلطة "السياسية" في المكان المعني.

 واليمن موزعةٌ ليس بين الحوثيين، وما يقال له "الحكومة الشرعية" المقيمة في الرياض فحسب، بل تحضر على ساحة التنازع فيها أطراف عديدة، إقليمية بتفرعات محلية. فإمبرطورية الإمارات العربية المتحدة مثلاً لها نصيب هام من النفوذ في بعض مناطقها، وكذلك لسواها.

ومصادر الثروة والتحكم بحياة الناس تلك موزعة هي أيضاً، وبشكل محسوب، على القبائل المرضي عنها، وعلى أحزاب مرضي عنها وهلم جرا.. بينما يموت الناس من العوز والمرض والرصاص بالطبع.

وحين أدرك صاحبنا أن تلك هي حال لبنان كذلك بما يخص، كذلك، خدمات الكهرباء والإنترنت والماء والدواء، التي يدفع المواطن كلفتها عدة مرات، رغم رداءتها.. "اطمأن" مستنتجاً أن السلطات في المنطقة لا بد أنها تنسق فيما بينها وتتبادل الخبرات.

فلا يعقل بغير ذلك أن يكون هناك تشابه في الترتيبات إلى حد التطابق بين اليمن ولبنان، بينما تفصلهما آلاف الكيلومترات وظروف ومسارات وبنى متباينة.

وقد انضم إلى النقاش كاتب آخر لامع، من العراق، شارحاً وواصفاً ما يجري في بلده، مؤيداً استنتاج زميله..

ولم يتسع الوقت أمامنا لمقارنة الخطابات التي تقدّم كل هذا، وتبرره، حين توجد. لأن السادة في تلك السلطات كثيراً ما يرون أنه لا داعي للكلام، ولا للوقوف أمام مواطنيهم لأي سبب. وطالما أنهم يحتقرونهم تماماً، فما غاية الشرح والتبرير؟

ولكن ولسبب غامض حتى الآن، مَنّ علينا مسؤول لبناني بشرحٍ بعدما أعلنت تباعاً محطات توليد الطاقة الثلاث الموزعة على البلد الصغير، توقفها عن العمل لافتقادها للمحروقات، وأعلن أصحاب المولدات الخاصة أن تقنينهم لإنتاجها سيتعاظم – ما يسمونه ساعات "التغذية"، لأنهم يتبنون المفردات "الإيجابية" – مراعاةً لطاقتها على الدوران، وباعتبار ارتفاع أسعار المحروقات نفسها.

قال: السبب هو جنوح الناقلة العملاقة في قناة السويس الذي تسبب بتعطيل حركة النقل وتأخر كل السفن، وإلا لكنا ننعم بالمحروقات بلا مشكلة.

طيب، والشهر الماضي، والذي سبقه، والسنة الماضية؟ هو لم ينتظر السؤال وأدلى بدلوه وانصرف. ولا شك أن هناك أسباباً وجيهة مختلفة في اليمن وفي العراق – البلد النفطي، صاحب أكبر ثاني احتياطي نفطي في العالم.

ولا تظنوا أن "التخلف" هو سبب هذا السلوك المنحط. فبلد الأنوار، فرنسا، وموئل الثقافة والفن والإبداع والخ الخ، يكذب بالمقدار نفسه من البدائية.

وآخر الكذب ما انكشف أنه جرى في مالي منذ أشهر حيث تتدخل فرنسا بكثافة عسكرياً منذ سنوات باعتبار افريقيا مسرحاً لنفوذها (بعد النهب أو معه، وبعد تدبير الانقلابات وبعد التغطية على الابادات الخ): القصف الفرنسي بالطيران الذي دهس حياة 22 مدنياً (لعلهم 19، وأنه هناك 3 مقاتلين من حركة إسلامية، كانوا موجودين!)، وجرح آخرين من الحشد الذي تجاوز عدده المئة شخص في قرية حيث كانوا يحتفلون بعرس.

يقول تقرير"مينوسما" وهي هيئة تابعة للأمم المتحدة، تولت التحقيق الدقيق في الحادث الذي وقع في 3 كانون الثاني/يناير من هذا العام، في قرية "بونتي" وسط مالي، أن التحقيقات الميدانية التي أجرتها، والتي شملت التحقق من هويات الشهود والكشف على مدافن الجثث، تثبت أنه كان عرساً وأنهم كانوا مدنيين.

ولكن السلطات الفرنسية تتساءل لماذا إذاً كلهم من الذكور؟ وحين يقال جواباً أن النساء والأطفال كنَّ في زاوية أخرى من المكان، يكاد الفرنسيون يستنكرون غياب الاختلاط وهذا التوزيع الجندري غير المقبول!

ولكن والأفدح أن وزارة الدفاع تقول ما حرفيته إن تقرير هيئة الامم المتحدة تلك مرفوض، لأنه يعتمد على"الشهادات المحلية التي لا يمكن التحقق من صحتها، والفرضيات غير الخاضعة لطريقة الاستعلامات الصارمة التي تتبعها الجيوش الفرنسية، والتي تؤطرها اشتراطات حقوق الإنسان الدولية".

والاستعلامات تقول أن ما استهدف كان جمعاً لمقاتلين، و"عنزة ولو طارت"، وكفى! وكأنها المرة الأولى التي تقع فيها مثل هذه الجرائم على المدنيين، سواء كانت مقصودة لإرهاب السكان، أو كانت "هفوة" كما يقال بكل بشاعة، تخفيفاً من الجريمة.

ارتكب الأمريكان عشرات مثلها في أفغانستان وفي العراق وفي سوريا، وقد وُثقت واعترف بمعظمها، وارتكبت السعودية مثلها في اليمن.. ولكن فرنسا لا تقر "بالخطأ"، وتستخدم لغة متعالمة متعالية، تضع الكلام الأنيق لوزارتها مقابل كلام هؤلاء "الهمج".

ولفرنسا باع طويل في الأناقة اللفظية، وآخرها تقرير المصالحة مع الذاكرة بما يخص الجزائر، حيث تقترح أنه لا يمكن مراجعة التاريخ، وإن ما حدث قد حدث ولنتطلع للمستقبل، والمسؤولية متقاسمة إلى آخر الحكمة المدّعاة.

كما هي لم تعترف، ولا تريد الاعتراف بفظاعة التجارب النووية التي أجرتها قبيل استقلال الجزائر في صحرائها وعلى السكان والأسرى، وهو قتل جماعي بغاية الاختبار والتجريب، واستخفافاً بحياة الناس، ومعناه ومدلوله مختلف عن القتل الفردي تحت التعذيب والتصفية، الذي يمكنها الإقرار بوقوعه والاعتذار عنه..

كما لا تريد الاعتراف بنتائج المئات من تجارب التفجيرات النووية الكارثية على البيئة والإنسان، والتي أجرتها في الجزر البولينيزية المستعمرة من قبلها في قلب المحيط الهادئ، حين أخرجت بالقوة من الجزائر.

وقد صدر مؤخراً كتاب عظيم لباحثين فرنسيين (وليس من الهمج!) يوثِّق كل ذلك (عنوانه Toxique أو "سام")، وقبله آخر عن الجزائر... مبيناً صحة ما نقوله للصغار بغاية تهذيبهم، من أن "حبل الكذب قصير"!

وهناك بالطبع أمثلة راهنة أخرى، موزعة على العالم كله بلا استثناء. ولم يعد من المؤكد أن تلك التي تخص بلداننا أشد ابتذالاً من سواها.

* نهلة الشهال كاتبة وناشطة لبنانية، رئيسة تحرير "السفير العربي".

المصدر | السفير العربي