الأحد 4 أبريل 2021 06:18 ص

«إذا نيسان دقّ الباب»

لا نخال شاعراً رأى في الذكريات عدّة لقضّ مضاجع الغزاة، كما فعل محمود درويش في هذا البيت المدهش.

نيسان «الشهر الشعري» لفرط ما فاضت به أو عنه القرائح وللكمّ الكبير مما خصته به الأشعار والأغاني فرأت فيه باعثاً على فرحٍ قادم!

هل يحتاج الناس يوما في السنة لـ«يكذبوا» فيه؟ أتراهم يصدقون في ما تبقى من أيام السنة فيعنّ لهم الكذب، ولو سخرية أو تسلية لذلك خصصوا له يوماً في السنة؟!

*     *      *

هل يحتاج الناس إلى يومٍ في السنة كي «يكذبوا» فيه؟ أتراهم، فعلاً، يصدقون في ما تبقى من ال 365 يوماً التي تكوّن السنة، فيعنّ عليهم الكذب، ولو من بابي السخرية أو التسلية، لذلك خصصوا له يوماً في السنة؟

أنتم عالمون بالحقيقة، ففي كمية الكذب والزيف في حياة البشر، بما تعجّ به من مظالم ومآسٍ وتناقضات وصراعات وحروب «الخبر اليقين». وليت أكاذيب البشر المعيشة كل يوم خفيفة الظل و«مهضومة» ككذبة الأول من إبريل.

دعونا من «كذبة» اليوم الأول، ولنذهب إلى الشهر بكامله، الذي نريد أن نسميه «الشهر الشعري»، لفرط ما فاضت به، أو عنه، القرائح، وللكمّ الكبير مما خصته به الأشعار والأغاني، فرأت فيه باعثاً على فرحٍ قادم، أو موقظاً لذاكرة غافية، وما تجرّه من شجن، أو من حزن.

إن كنتم تريدون مثلاً على هذا القول الأخير، اقرأوا لغسان كنفاني عبارته التالية: «عندما جاء نيسان أخذت الأرض تتضرج بزهر البرقوق الأحمر وكأنها بدن رجل شاسع مثقب بالرصاص المختبئ فيه، مثلما تكون الولادة يكون الألم».

محمود درويش تحدث عن «تردد إبريل». أيّ تردد عناه محمود، أهو تقلب الأجواء فيه، بين «بقايا» الشتاء، ومطالع الربيع أو نذره الواعدة، أم هو تردد مشاعرنا نحن أبناء الحياة، حين تقلبنا مروحتها بين فرح وشجن؟

ولأننا «نحب الحياة ما استطعنا إليها سبيلاً»، فإننا نجد، والقول لمحمود: «على هذه الأرض ما يستحق الحياة: تردد إبريل، رائحة الخبزِ في الفجر، آراء امرأة في الرجال، كتابات أسخيليوس، أول الحب، عشب على حجرٍ، أمهاتٌ يقفن على خيط ناي، وخوف الغزاة من الذكرياتْ».

لا نخال شاعراً رأى في الذكريات عدّة لقضّ مضاجع الغزاة، كما فعل محمود درويش في هذا البيت المدهش. وللذكريات أو لأثرها أو حتى «وظائفها» إن بسّطنا القول، أنواع ودرجات، فإن كان بينها ما يخاف منه الغزاة، فإن بينها ما يغور في أعماق النفوس.

أليس هذا ما عناه نزار قباني في قوله، مستلهماً نيسان، هو الآخر:

«هل أرحل عنك وقصتنا/ أحلى من عودة نيسان

أحلى من زهرة جاردينا/ في عتمة شعر إسباني

يا حبي الأوحد لا تبكي/ فدموعك تحفر وجداني»؟

سيكون الحديث عن نيسان ناقصاً إن نحن أغفلنا العظيمة فيروز، التي منحته مجموعة أغانٍ، لا واحدة فقط، لعل أجملها وأشهرها تلك القائل مطلعها:

«طل وسألني/ إذا نيسان دقّ الباب/ خبيت وجهي/ وطار البيت فِيّ وغاب/ حبيت افتح له/ عالحب اشرح له/ طلّيت ما لقيت غير الورد عند الباب».

* د. حسن مدن كاتب صحفي من البحرين

المصدر | الخليج