الخميس 8 أبريل 2021 01:34 م

هل تقلد تركيا إيران .. صينياً؟

لن يتحوّل التقارب التركي الصيني إلى حلف ثنائي أو ثلاثي مع إيران ضد الغرب لأكثر من سبب سياسي عقائدي اجتماعي.

التنسيق التركي الصيني سيلتقي عند التنسيق التركي الروسي الاستراتيجي تحت سقف اقتصادي تجاري إنمائي مشترك.

سعت أنقرة إلى الاستفادة من القروض الميسّرة التي تقدمها بكين، في مقابل إنجاز الشركات الصينية عديداً من مشاريع البنية التحتية التركية.

ماذا ستفعل واشنطن أمام سيناريو تقارب تركي صيني في ملفات اقتصادية وعسكرية واستراتيجية قد يتحوّل إلى لتنسيق ثلاثي يضم روسيا أيضاً؟

ماذا يحول دون تفكير تركيا باتفاقياتٍ مشابهة، بعيدة المدى مع الصين. حرام على تركيا حلال على إيران وإسرائيل وغيرهما ممن وقعوا عشرات العقود الاستراتيجية مع بكين؟

*     *     *

وقّع وزير الخارجية الإيراني، جواد ظريف، ونظيره الصيني، وانغ يي، على وثيقة "برنامج التعاون الشامل" بين البلدين، لتعزيز الروابط والعلاقات، ولرسم آفاق التعاون بينهما. تفيد المعلومات بأن هذه التفاهمات الصينية الإيرانية الجديدة ستكون لمدة 25 عاماً، وستصل قيمتها إلى 400 مليار دولار في حقول الطاقة والتكنولوجيا والتعاون العسكري.

وقد جاءت فيما كانت الإدارة الأميركية الجديدة تستعد مع حلفائها للتصعيد ضد ايران والصين أنباء التفاهمات الصينية الإيرانية التي سيكون بين أهدافها تحصين المواقع في أكثر من بقعة جغرافية، بما يطاول مباشرة مصالح واشنطن وعواصم إقليمية عديدة ونفوذها.

يتابع الداخل التركي هذه التطورات عن قرب، خصوصاً فحوى الوثيقة الاستراتيجية الصينية الإيرانية، لمعرفة ما ستقدمه للجانبين، وارتداداتها على مصالح تركيا في المنطقة.

الهدف التركي ليس الاستعداد لجارٍ إيراني إقليمي جديد، بقدر ما هو معرفة فرص تركيا بتوقيع اتفاقية مماثلة عند الضرورة، للخروج من اختبار العلاقات التركية الأوروبية والتركية الأميركية الذي بدأ يتحول إلى عبء استراتيجي في العامين الأخيرين تحديداً.

توسّع التعاون الاستثماري بين أنقرة وبكين منذ عام 2002، من خلال تنفيذ شركات صينية مشاريع استراتيجية عديدة في تركيا، فقد سعت أنقرة إلى الاستفادة من القروض الميسّرة التي تقدمها بكين، في مقابل إنجاز الشركات الصينية عديداً من مشاريع البنية التحتية التركية، مثل تشييد خط القطار السريع بين أنقرة وإسطنبول، ومشاريع الطاقة المتجدّدة والأنفاق الضخمة.

ويشكّل مشروع طريق الحرير الصيني اليوم فرصةً ذهبية لتركيا من أجل تطوير علاقاتها التجارية مع الصين التي تريد أيضاً الاستفادة من الموقع الجغرافي الذي تحتله تركيا وسط هذا الطريق بين الصين شرقاً وبريطانيا غرباً. وقد شاركت تركيا في المشروع، من خلال المساهمة في بناء خط سكة حديد، يبدأ من العاصمة الأذربيجانية باكو، مروراً بجورجيا إلى شرق تركيا. ولم يتوقف التنسيق في مجال التصنيع الحربي والتكنولوجي والاتصالات.

كما أن هناك خططاً للتعاون النووي مع الصين، من خلال بناء محطة نووية صينية في منطقة تراقيا التركية الحدودية مع اليونان. وأسباب التعاون التركي الصيني وفرصه موجودة إذاً، فما الذي يحول دون تفكير تركيا باتفاقياتٍ مشابهة، بعيدة المدى مع الصين. حرام على تركيا، حلال على إيران وغيرها من العواصم العربية والأوروبية وإسرائيل التي وقعت عشرات من العقود الاستراتيجية مع بكين؟

تتقاطع أسباب توقيع إيران الاتفاقية الصينية، في مواد كثيرة فيها، مع الأسباب التي قد تدفع أنقرة نحو قبول اتفاقية مشابهة. لا بل ستكون العقود والاتفاقيات بين بكين وأنقرة أسهل وأوسع من التفاهمات الصينية الإيرانية، لأن وضع تركيا الإقليمي يختلف كلياً عن وضع إيران اليوم، ولأن أنقرة ستكون أكثر قيمة وأهمية للطرف الصيني، بسبب الموقع الجيو سياسي والجيو استراتيجي لتركيا.

لا تتطلّع أنقرة إلى استهداف المصالح الغربية، أو تطمح، مثل إيران، إلى أن يؤدّي انفتاحها على الصين إلى الدخول في مواجهة مع نفوذ الولايات المتحدة أو مصالحها في المنطقة، لكنها لن تتردّد في الذهاب حتى النهاية وراء حماية مصالحها، إذا ما شعرت بأنها ستكون مهدّدة نتيجة تقارب أميركي أوروبي إقليمي تحت أكثر من قناع.

لا تريد تركيا القطيعة مع الغرب، لكنها إذا ما شعرت بأنه سيحاول التلاعب بحسن نياتها، وتقديم مصالحه دائماً على ما تريده، وتطالب به، فهي ستبحث من دون تردّد عن الخيارات الاستراتيجية البديلة، والسيناريو الصيني أحدها اليوم.

حتماً، لن يتحوّل التقارب التركي الصيني إلى حلف ثنائي أو ثلاثي مع إيران ضد الغرب، لأكثر من سبب سياسي عقائدي اجتماعي، فتركيا تعرف تماماً حجم التوغل الإيراني في الملفات السورية والعراقية واللبنانية ضدها، وتتابع عن قرب التنسيق الإيراني مع المجموعات التابعة لحزب العمال الكردستاني في قنديل وسنجار.

وتعرف أن أي انفتاح استراتيجي على إيران سينسف كل جهود المصالحة والتطبيع مع العواصم العربية، وسينهي الغزل التركي الإسرائيلي، ويعرّض العلاقات الاقتصادية التركية الغربية للخطر.

لكن دوافع أنقرة لعقد اتفاقية استراتيجية مع بكين كثيرة، ولا تختلف كثيراً عن أسباب التقارب الصيني الإيراني، ويتقدّمها الصعود والتمدد الإيرانيان باتجاه ساحات رمادية متداخلة في الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا، وكذلك التوتر التركي الغربي المهدّد بالتحول إلى اصطفاف في خنادق مواجهة سياسية واقتصادية وأمنية عديدة.

هل تقلد تركيا إيران .. صينياً؟

نعم، إذا ما وجدت أن مصالحها الاقتصادية والتجارية ستكون أفضل، وستساعدها على التخلص من أزماتها الحالية. وإذا ما اكتشفت أن شراكتها الإقليمية مع الصين ستتمدّد وستنتشر في أكثر من بقعة جغرافية، وأن التنسيق التركي الصيني سيلتقي عند التنسيق التركي الروسي الاستراتيجي تحت سقف اقتصادي تجاري إنمائي مشترك، وأن المظلة الصينية، بعد الروسية، ستقدم لها الفرص الاقتصادية والاستراتيجية التي تبحث عنها في مناطق يحاول بعضهم إعادة رسم توازناتها على حساب أنقرة ونفوذها ودورها..

وإذا ما واصلت الإدارة الأميركية الجديدة سياسة التجاهل والتمنع والتهميش ضد تركيا، ومحاولات تضييق الخناق عليها في ملفاتٍ سياسية وأمنية واقتصادية تقوي نفوذ منافسيها وخصومها على حسابها إقليمياً..

وإذا ما تأكّد لها أن المجموعة الأوروبية دخلت مجدّداً تحت العباءة الأميركية في مشروعٍ يستبعد النفوذ والدور الإقليمي التركي، لصالح لاعبين آخرين، مثل إسرائيل واليونان ومصر، وأن فرص الحلم بالعضوية في الاتحاد الأوروبي تراجعت لصالح اصطفاف غربي ضد مصالح أنقرة، كما الحال في ليبيا وشرق المتوسط وأفريقيا وجنوب القوقاز..

وإذا ما وصلت إلى قناعة أن إسرائيل ستخرج الرابح الأول، وعلى حساب النفوذ التركي، وسط التموضع الإقليمي الجديد الذي قد يُجلس تل أبيب في مركز القيادة والإشراف تحت ذريعة مواجهة المشروع الإيراني..

وإذا ما حسمت موقفها حول أن واشنطن وعواصم أوروبية رئيسة قرّرت الانحياز إلى الجانب اليوناني في صراع النفوذ البحري في إيجه وشرق المتوسط وملف جزيرة قبرص.

وإذا ما تأكد لأنقرة أن إيران ستخرج في الأشهر القليلة المقبلة أقوى مما كانت عليه في ملفات أمنية استراتيجية بدعم روسي صيني، يقود إلى تراجع الثقل التركي الإقليمي.

وإذا ما بقي حزب العدالة والتنمية في السلطة حقبة جديدة بعد عام 2023 الذكرى المئوية الأولى لتأسيس الجمهورية التي سيسبقها عامان من عملية خلط الأوراق في السياسات التركية الداخلية والخارجية. وهناك مؤشّرات كثيرة اليوم تعكس حقيقة أن الأمور تتقدم بهذا الاتجاه.

وقد فرضت واشنطن عقوبات وخطوات تصعيدية كثيرة ضد أنقرة، نتيجة شرائها منظومة الصواريخ الروسية أس 400، كما أبعدت تركيا عن برنامج المقاتلة إف 35.

ولم تتراجع أنقرة أو تبدل من مواقفها وخياراتها حيال موسكو. والعكس كان الصحيح، لناحية رفع مستوى التنسيق الاستراتيجي في جنوب القوقاز والبلقان، وزيادة التعاون في مجال الطاقة لنقل الغاز الروسي إلى تركيا وجنوب شرق أوروبا.

فما الذي ستفعله واشنطن أمام سيناريو تقارب تركي صيني، في ملفات اقتصادية وعسكرية واستراتيجية، قد يتحوّل إلى تنسيق ثلاثي، يضم روسيا أيضاً؟

ستكون مشكلة واشنطن أكبر في المرحلة المقبلة. لقد حاولت الاستخفاف بالتعاون الصيني الروسي، وتغاضت عن التقارب والانفتاح الصيني العربي والصيني الإسرائيلي، وتريد اليوم معارضة أي تقارب صيني إيراني.

فما الذي ستفعله إذا ما حدث التنسيق الصيني التركي الاستراتيجي في ملفات تعني أميركا في أكثر من مكان؟

ما ينسف كل هذه السيناريوهات الإيرانية التركية الحالمة مع الصين العروض التي قد تقدّمها واشنطن لبكين مباشرة، في ملفات خلاف وتباعد كثيرة. ولكن الإدارة الأميركية تدرك أكثر من غيرها أن العقبة الروسية لا يمكن تجاوزها بسهولة لتسجيل أي اختراق من هذا النوع.

* د. سمير صالحة كاتب وأكاديمي تركي

المصدر | العربي الجديد