الجمعة 9 أبريل 2021 02:00 م

مروان ماردٌ لا مُرتد

صار مروان رقماً صعباً لا يمكن القفز عنه في خيارات الصراع أو السلام مع إسرائيل وفي معادلات ترتيب البيت الفلسطيني.

ترشّح مروان لـ"الرئاسة الفلسطينية" والفوز بها وهذا غير بعيد في غياب أي منافسين أقوياء من داخل حزب السلطة و خارجه هو الأمل الوحيد في تحريره.

قد تُفضّل إسرائيل رؤية مروان غارقاً بدواليب السلطة ومفاسدها ومشغولاً بجمع شتات فلسطين المبعثر لا أن تراه مانديلا جديدا تُرفع صوره ببرلمانات العالم.

سيحرك فوز مروان بانتخابات الرئاسة الفلسطينية، وحصول قائمة الحرية على مقاعد وازنة بالتشريعي مشروع تحرر فلسطين بعد غرق بمستنقع آسن ثلاثة عقود عِجاف.

*     *     *

في الرابع من أغسطس/ آب 2001، نجا أمين سر حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)، مروان البرغوثي، من محاولة اغتيال، عندما شنت قوات الاحتلال الإسرائيلي هجوما بالصواريخ على قافلة سيارات كان يستقل إحداها في رام الله.

أخطأت الصواريخ سيارته، وأصابت سيارة حراسة كان داخلها المطلوب لسلطات الإحتلال، محمد أبو حلاوة. وفي أعقاب محاولة الإغتيال التي تعرّض لها القيادي الفتحاوي الأبرز والأنشط في الإنتفاضة الثانية، حذّرت السلطة الفلسطينية من اندفاع إسرائيل باتجاه شن حرب شاملة باللجوء إلى العمل السري (تحت الأرض)، ما يعني العودة إلى خيار الكفاح المسلح.

أذكر أنني، وبحكم عملي الصحافي، اتصلت بمروان البرغوثي، للحصول على تعليق خاص منه على محاولة الاغتيال، ثم سألته عن صحة أو إمكانية ماذا ذهبت إليه القيادة الفلسطينية من تهديد بالعودة إلى خيار العمل السرّي والكفاح المسلح، ردّ بسخرية على تهديدات إسرائيل، وردّ بمرارة على عنتريات جنرالات الفضائيات.

في نهاية المكالمة، قلت لمروان: "دير بالك على حالك، يبدو أنهم جادّون في التخلص منك"، فأجاب ضاحكاً: "ولا يهمك، الله الحامي، بعدين الإخوان في اللجنة المركزية، ما بقصّروا، حضروا لي ملصقاً (بوستر) بصورة ملوّنة مع رتبة شهيد".

لمست في كلمات مروان المقتضبة والسريعة إحباطه من قياداتٍ تنتظر استشهاده، وتتبجّح بتهديدات خاوية بالمقاومة.

بعد ثمانية أشهر من محاولة الاغتيال، في الخامس عشر من إبريل/ نيسان 2002، اعتقل جيش الاحتلال الإسرائيلي مروان، بعد مهاجمة أحد المنازل في رام الله. أسِف رئيس الوزراء الإسرائيلي في حينه، أرييل شارون، لاعتقال مروان حياً، وقال "كنت أفضل أن يأتيني رماداً في جرّة".

وعلق وزير الحرب، شاؤول موفاز، بالقول "اعتقال البرغوثي هو هدية عيد الاستقلال التي يقدّمها الجيش للشعب الإسرائيلي، وضربة قاتلة للانتفاضة".

ومنذ اعتقال مروان قبل 20 عاماً، لم تتوقف القيادات الفتحاوية عن طباعة البوسترات لرفعها خلال وقفات قصيرة تحت ظلال شجرات الصنوبر أمام مقر المجلس التشريعي الفلسطيني في رام الله، تتخللها صور "سيلفي" كثيرة، وبعض هتافات مُطالبة بالإفراج عن مروان، مع "رشّة" تصريحات للكاميرات تَذكّر محاسن الأسير مروان البرغوثي ومآثره.

لم تقتل الصواريخ التي أُطلقت من مستوطنة بسيغوت المارد مروان، ولم تُفلح سنوات عشرون من الاعتقال، قضى معظمها في زنازين الانفرادي، في إخماد صوته الذي ظل الغائب الحاضر في المشهد الفلسطيني.

وصار رقماً صعباً لا يمكن القفز عنه، لا في خيارات الصراع أو السلام مع إسرائيل، ولا في معادلات ترتيب البيت الفلسطيني...

خلال الأسابيع القليلة الماضية، عاد مروان قوياً إلى الساحة الفلسطينية، بداية بالتحدّي لمنافسة الرئيس محمود عباس في أي انتخابات رئاسية قد تُنظم في المستقبل القريب، ثم من خلال التحالف مع القيادي الفتحاوي، ناصر القدوة، في قائمة "الحرية" لانتخابات المجلس التشريعي، ومنافسة قائمة اللجنة المركزية لحركة فتح.

من حق مروان البرغوثي الترشح للانتخابات كأي فلسطيني مُسَجَل في قوائم الناخبين، ليس في ذلك لا رِدّة ولا انشقاق، بل قد يكون هو الأحق، وتاريخه النضالي الطويل يرشّحه لذلك.

والأهم أن ترشّح مروان لـ"الرئاسة الفلسطينية"، والفوز بها، وهذا غير بعيد في غياب أي منافسين أقوياء، لا من داخل حزب السلطة ولا من خارجه، بمن فيهم الرئيس أبومازن، قد يكون الأمل الوحيد في تحريره.

ربما تُفضّل إسرائيل، رؤية مروان غارقاً في دواليب السلطة ومفاسدها، ومشغولاً في جمع الشتات الفلسطيني المبعثر، على أن تراه مانديلا جديدا، تُرفع صوره داخل قاعات البرلمانات في العالم، بعد أن كانت تُرفع بخجل خارج المجلس التشريعي في رام الله.

فوز مروان البرغوثي في انتخابات الرئاسة الفلسطينية، ظلّ في السجن أو تَحرر، وحصول قائمة الحرية على مقاعد وازنة في التشريعي، سيحرّكان مشروع التحرر الفلسطيني الذي غرق في مستنقع آسن ثلاثة عقود عِجاف.

* د. نواف التميمي أستاذ الإعلام بمعهد الدوحة للدراسات العليا.

المصدر | العربي الجديد