الإمارات العربية المتحدة صدَّرت منذ نشأتها نموذجاً اتحادياً تنموياً يكاد يكون فريداً من نوعه في المنطقة يحتار المراقبون للمشهد الإماراتي في معرفة سبب هذا التحول القاسي في مجال الحريات والتحول المفزع إلى دولة أمنية العودة عن هذا النهج العنيف والمسيء لدولة الإمارات أفضل من الاستمرار فيه وأولى خطوات التراجع الإفراج عن جميع معتقلي الرأي والضمير.

حرصت دولة الإمارات العربية المتحدة منذ نشأتها على تصدير نموذج اتحادي تنموي يكاد يكون فريداً من نوعه في المنطقة. كما عُرف عن مؤسسها الشيخ زايد بن سلطان – رحمة الله عليه – الحكمة والتروي وحب الخير للجميع في الداخل و الخارج، وكان نهج السياسة الخارجية قائماً على الصلح أو الحياد في الصراعات وبالعلاقات الودية مع الجميع.

وهو ما أكسب دولة الإمارات سمعة محترمة على مدى عقود من الزمن. لم يكد يُذكر حول الإمارات ما من شأنه أن يسيء إلى سمعتها. وبالرغم من أن القيادة السياسية في الدولة نكصت في فترة لاحقة من عمر الدولة الاتحادية الوليدة عما وعدت به من تحول ديمقراطي و تمثيل برلماني، إلا أن المطالبات بتلك الوعود بقيت حاضرة في الداخل الإماراتي ولم تشكل مصدر إزعاج للسلطة المحلية ولم تجلب انتقادات دولية من شأنها تعكير صفو الدولة الاتحادية.

لسنا هنا بصدد الحديث عن ذلك النكوص، إلا أن المراقب للمشهد السياسي والحقوقي في دولة الإمارات سيلحظ ثمة تغييرات جوهرية حدثت بعد 11 سبتمبر وبعد رحيل المؤسس، حيث أخذت الأجهزة الأمنية تلعب دورا أكبر في الشأن الداخلي وتوجيه السياسات الخارجية. فقد قامت الأجهزة الأمنية باعتقالات موسعة في صفوف فئات شبابية ممن ينتمون إلى التيار الجهادي السلفي مستخدمة في تلك العمليات قوة مفرطة وطائرات الهليوكبتر بالتزامن مع مداهمة البيوت واعتقال المطلوبين.

وقد فسر بعض المهتمين بالشأن المحلي ذلك بكون أحد مفجري برجي التجارة العالمية في نيويورك من دولة الإمارات، مما أطلق يد السلطات "للضرب بيد من حديد" وإظهار موقف حاسم وغير متردد لحليفها الكبير، الولايات المتحدة الأمريكية.

لم يكن الكثيرون يسمعون بتلك الاعتقالات والاختفاءات التي حدثت في بدايات العقد الأول من الألفية الجديدة، حيث لم تكن الإنترنت قد انشرت بشكل شعبي وواسع حينها في المنطقة، وكان الإعلام الموجه ينشر ويذيع رأي السلطة الرسمية فقط، والتي كانت محكومة وفق أطر الإشادة التامة بالسلطة بعيداً عن أي نوع من أنواع النقد، ناهيك عن تغطية أي انتقاد خارجي من منظمات دولية أو ما شابه.

لقد بدأ التحول مع دخول الإنترنت وانتشارها بشكل واسع في المجتمع في منتصف العقد الأول من الألفية الجديدة، ومع انتشار المدونات الفردية والجماعية والبريد الإلكتروني، ثم تطور الهواتف المتحركة إلى هواتف ذكية جعلت قبضة السلطة على المعلومة تكاد تتلاشى، حيث أصبح الوصول للمعلومة أسهل بكثير مما كان عليه.

ساعد هذا الانفتاح المعلوماتي على استيعاب مفاهيم جديدة في المنطقة على نحو أفضل، وربما كان مفهوم حقوق الإنسان أحد تلك المفاهيم التي أخذت حيزاً لا بأس به من الانتشار مع تلك الطفرة التكنولوجية، فبدأنا نشهد استخداماً أوسع لمفردات "حقوق الإنسان" و"حرية الرأي والتعبير" و"الحقوق المدنية والسياسية" وغيرها.

وفي حين كانت أغلب الانتقادات التي وجهت لدولة الإمارات تتعلق بملف العمالة الوافدة، تطورت تلك الانتقادات بعد ذلك لتطال ملفات حرية الرأي والتعبير وحق التجمع السلمي وحق إنشاء الجمعيات والنقابات وبعض الحالات الفردية من الاعتقال التعسفي والتقاعد الإجباري وإبعاد بعض الأفراد عن مناصب وقطاعات معينة، ثم تم طرح قضية البدون، وقضايا المشاركة السياسية والديمقراطية، إلى أن جاء الربيع العربي، الذي شهدت فيه دولة الإمارات تحولات شديدة الخطورة من ناحية الكمية والكيف.

فأصبحت الانتقادات التي توجه لدولة الإمارات في مجال حقوق الإنسان لا تقتصر على ملف العمالة الأجنبية، بل أصبح الحديث حول الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري والتعذيب الجسدي والنفسي الممنهج والمحاكمات السياسية التي تفتقر إلى أدنى المعايير الدولية للمحاكمات العادلة، يصاحب ذلك حالة ربما تكون الأسوأ بين حالات حرية الرأي والتعبير في المنطقة بأسرها.

لم تكن دولة الإمارات الفتية ذات السمعة الطيبة بحاجة إلى ذلك، وإلى الآن يحتار المراقبون للمشهد الإماراتي في معرفة سبب هذا التحول القاسي – المفرط في قسوته – في مجال الحريات والحقوق المدنية والتحول المفزع إلى دولة أمنية يسيطر عليها التعاطي الأمني مع جميع المشاكل السياسية والحقوقية والاجتماعية وحتى الثقافية.

فدولة الإمارات لم تشهد أي احتجاجات على الشارع، ولم تكن هناك بوادر تشير إلى ذلك، وقد اكتفى المواطنون ممن طالبوا بالإصلاح السياسي بكتابة رسالة مهذبة للغاية موجهة للقيادة السياسية في الدولة تطالب بانتخاب مجلس وطني (برلمان) من قبل جميع المواطنين عبر وسيلة الاقتراع المباشر مع إعطاء الكيان المنتخب كامل الصلاحيات التشريعية والرقابية التي تحظى بها البرلمانات في الدول الديمقراطية، مستندين بذلك إلى ديباجة دستور الدولة التي تتحدث عن المضي قدماً بالدولة الاتحادية نحو نظام ديمقراطي نيابي متكامل الأركان.

وتعد هذه المطالب متواضعة جداً إذا ما قيست بالمطالبات التي طرحت في العديد من الدول الخليجية المجاورة كالكويت والبحرين والسعودية وعمان، والتي طالب مواطنو بعضها بملكية دستورية نيابية، إلا أن السلطة الأمنية الأكثر تأثيراً وحضوراً في المشهد الإماراتي ارتأت التعاطي مع تلك المطالب بشكل مختلف لا يتناسب بأي شكل من الأشكال مع حجم المطالب الإصلاحية – وهي مطالب منطقية ومشروعة – ولا مع أي خطر حالي أو محتمل يهدد الدولة.

وتبقى دائماً العودة عن هذا النهج العنيف والمسيء لدولة الإمارات أفضل بكثير من الاستمرار فيه.

وتكمن أولى خطوات التراجع من وجهة نظري في القيام بخطوات جدية وشجاعة في الإفراج عن جميع معتقلي الرأي و الضمير، و إغلاق السجون السرية لدى الأجهزة الأمنية، وإنشاء لجنة مستقلة لتقصي الحقائق، خاصة فيما يثار حول مزاعم التعذيب، التي أكدتها التقارير الدولية وتقارير الأمم المتحدة، وإنصاف الضحايا واتخاذ جميع الإجراءات اللازمة – تشريعاً وتنفيذاً – التي من شأنها منع تكرار ذلك.

وإلغاء جميع التشريعات التي تحد من حرية الرأي و التعبير أو وقف العمل بها حتى يتم تعديلها بما يتماشى مع المواثيق الدولية والإقليمية ذات الصلة، مع إصلاح النظام القضائي بإلغاء المحاكم الخاصة وجعل التقاضي على درجتين ابتدائية واستئناف ثم نقض أو تمييز.

إلا أن كل ذلك غير ممكن دون توفر إرادة سياسية حقيقية راغبة للقيام بذلك تقوم بالسيطرة على جموح الأجهزة الأمنية ومراقبة عملها وتقنينه وفق أطر معينة تخدم الأهداف التي أنشئت من أجلها دون تغول على بقية السلطات أو إيغال في انتهاكات حقوق أصيلة للمواطنين.