أرابتيك ومدن حفتر "الفنكوشية"

هل سيجمع حفتر كل سكان ليبيا شرقها وغربها جنوبها وشمالها في مدنه السكنية الثلاث الواقعة في منطقة ما داخل مدينة بني غازي.

حفتر يعلن عن تأسيس 3 مدن سكنية في بني غازي تستوعب ما لا يقل عن 12 مليون نسمة رغم أن عدد سكان ليبيا أقل كثيراً من هذا الرقم.

أرابتيك وعدت المصريين بإنشاء مليون وحدة سكنية وبتكلفة 280 مليار جنيه، (ما يعادل 40.2 مليار دولار)، ولم يتم بناء وحدة واحدة طوال 7 سنوات.

*     *     *

في شهر إبريل/ نيسان من عام 2014 خرجت أرابتيك، أكبر شركة مقاولات إماراتية، على المصريين بإعلان مفاده أنها قررت المساهمة في حل أزمة السكن في مصر عبر إنشاء مليون وحدة سكنية وبتكلفة 280 مليار جنيه، (ما يعادل 40.2 مليار دولار في ذلك الوقت)، وكذا المساهمة في حل أزمة البطالة، حيث إن هذا المشروع "العملاق"، كما وصفته وسائل الاعلام في ذلك الوقت سيوفر مليون فرصة عمل للشبان المصريين.

ولم تكتف الشركة العقارية بذلك، بل روجت لمشروعها سياسياً حينما راحت تزعم أن بعض الوحدات السكنية سيتم تخصيصها للشباب ومحدودي ومعدومي الدخل وسكان العشوائيات والقبور، وأنه سيتم بيع الوحدات الأخرى بأسعار التكلفة وربما أقل من التكلفة.

وتمر السنة وراء الأخرى، 2014 ثم 2015 ثم 2016، فـ 2018، ثم 2019 ولم يتم تشييد وحدة سكنية واحدة من المشروع العقاري طوال تلك السنوات رغم الإعلان أكثر من مرة من قبل جهات حكومية مصرية وإماراتية عن اختيار مواقع المشروع في 12 محافظة، وتدبير التمويل اللازم، وعمل المناقصات واختيار الشركات المنفذة.

بل فوجئ المصريون، نهاية العام الماضي، 2020، بانهيار عملاق المقاولات الإماراتي، وإعلان سوق دبي المالي إفلاس الشركة واختفائها للأبد دون أن تقدم اعتذارا واحدا لملايين المصريين الذين خدعتهم بوعود براقة ومشروع فنكوشي، ولأغراض سياسية بحتة.

ويبدو أن اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر يكرر السيناريو الإماراتي لكن ببهارات أكثر وعلى طريقة معمر القذافي وبنفس أسلوب "دقت ساعة الصفر"، حيث خرج علينا، يوم السبت الماضي، بتصريح قال فيه إن القيادة العامة للقوات المسلحة في ليبيا ستبني ثلاث مدن كاملة المرافق في شرق وغرب وجنوب مدينة بنغازي الواقعة في شرق ليبيا.

إلى هنا والخبر مقبول ومنطقي رغم تأكيد حفتر أن "العمل جار في هذه المدن، وأنه سيتم الانتهاء من البناء في وقت قريب"، رغم أن معظم أهالي ليبيا لا يعرفون شيئا عن هذه المشروعات التي ظهرت فجأة، ولم يسمعوا عنها من قبل.

لكن حفتر أضاف قائلا إن المدن الثلاثة الجديدة تستوعب ما لا يقل عن 12 مليون نسمة، كما أعلن عن تخصيص 20 ألف وحدة سكنية منها لأسر الشهداء والجرحى، وتوفير فرص عمل لأبنائهم بعد تأهيلهم، إضافة إلى تكفل القوات التابعة للقيادة العامة بمصاريف تعليم أبناء الشهداء حتى المرحلة الجامعية.

المثل العامي يقول "إذا كان المتكلم مجنونا فليكن المستمع عاقلا"، والعقل هنا يعرف أن عدد سكان ليبيا أقل من 7 ملايين نسمة، فهل سيجمع حفتر كل سكان ليبيا شرقها وغربها جنوبها وشمالها في مدنه السكنية الثلاث الواقعة في منطقة ما داخل مدينة بني غازي التي لا تعد حتى المدينة الأولى من حيث عدد السكان داخل ليبيا.

بل ويعرض على دول مجاورة، مثل مصر وتونس والسودان، إرسال ملايين من رعاياها ليقطنوا مدنه الفنكوشية المبنية على أحلام وخيالات؟

وبغض النظر عن رقم 12 مليونا الذي حدده اللواء المتقاعد كسكان محتملين لمدنه الهلامية، فمن أين يأتي بالتمويل والتكلفة، وهو بالمناسبة يقدر بمئات المليارات من الدولارات، في ظل تجفيف مصادر حفتر المالية، وتوحيد ميزانية ليبيا، وأوجه الصرف على خلفية التطورات السياسية الأخيرة التي فرضت واقعا جديدا.

وهو أن كل إيرادات الدولة، سواء النفطية أو غيرها، تصب في حساب لدى البنك المركزي الليبي بالعاصمة طرابلس، وأن حكومة الوحدة الوطنية هي التي ستتولى توزيع مخصصات موازنة الدولة سواء كانت لتأمين الرواتب أو سداد فاتورة الدعم، أو تمويل الواردات والاستثمارات العامة.

* مصطفى عبد السلام كاتب صحفي اقتصادي

المصدر | العربي الجديد