الاثنين 19 أبريل 2021 06:21 ص

هانز كونغ والحوار الأخلاقي بين الديانات

كان كونغ يرى أن على الكنيسة الكاثوليكية تمديد مفهوم الخلاص إلى الإسلام وقبوله من داخل نسقها اللاهوتي الخاص.

رحل رجل الدين الكاثوليكي هانز كونغ مؤخرا عن عمر مديد قضاه مدافعاً عن أطروحة في تجديد اللاهوت المسيحي جرّت عليه نقمة الكنيسة الرسمية.

خطوات كبرى نحو الحوار الأخلاقي داخل الإبراهيمية منذ وصول البابا فرانسيس إلى البابوية ولعلماء الإسلام دور حاسم في بلورة خيار الفضائل والأخوة الإنسانية.

اعتبر كونغ أن الحوار العقدي يقود للتصادم ويؤجج خلافات أتباع الديانات بينما تتفق أنساقها في مدونتها الأخلاقية ومنظورها القيمي الإنساني الموصل لأخلاقيات كونية جامعة.

*     *     *

توفي رجل الدين الكاثوليكي المشاكس هانز كونغ في 6 أبريل الجاري عن عمر مديد قضاه مدافعاً عن أطروحته التجديدية في اللاهوت المسيحي، التي جرّت عليه نقمة الكنيسة الرسمية.

لا يهمنا هذا الجانب من شخصية الرجل الفكرية، وإنما فكرته حول السلام بين الديانات شرطاً لبناء سلام عالمي ناجع ودائم. لقد اعتبر كونغ أن الحوار اللاهوتي العقدي يقود إلى التصادم وتأجيج الخلافات بين أتباع الديانات، في حين أن هذه الأنساق الدينية تتفق إجمالاً في مدونتها الأخلاقية ومنظورها القيمي الإنساني، ومن هنا إمكانية التوصل إلى أخلاقيات كونية جامعة.

ومن الواضح أن كونغ لا ينطلق من السجل اللاهوتي، فهو لا يتبنى على غرار بعض فلاسفة الدين فكرة الديانة المعنوية الكونية، وإنما يراعي حاجز التنوع والتعددية الذي يسم المجتمعات الحديثة ويشكّل خصوصيتها التأسيسية.

لقد راعت الفلسفات الأخلاقية الجديدة هذا الحاجز، فذهبت في اتجاهين كبيرين: ذهب أحدهما إلى بناء فكرة المسؤولية على النتائج والآثار المعقولة، لا على طبيعة المعتقدات نفسها التي لا يمكن الحسم في قيمتها المعرفية أو العلمية، وذهب الاتجاه الآخر إلى النظر إلى الديانات والمنظومات القيمية بصفتها روابط نقاشية وكيانات تواصلية بمقدورها الوصول إلى توافقات موزونة عقلياً.

في الاتجاه الأول، تندرج الفلسفات البرغماتية (جوي دوي ووليام جيمس..) التي اعتبرت أن واجب الفلسفات الأخلاقية هو احتواء وتجنب التناقضات الجوهرية في الأنساق العقدية لحل إشكالات التعايش اليومي المنجرّة عنها، وفي الاتجاه الثاني تندرج نظريات الإجماع «التركيبي» (بلغة جون رولز) التي تسعى إلى التوصل إلى توافقات مبررة بالنقاش البرهاني الحر.

بيد أن الإشكالات اللاهوتية ظلت عقبة حقيقية دون نجاح مقاربة الحوار الديني، بما يظهر في مستويين متمايزين: مستوى الحوار بين الديانات التوحيدية والديانات الأخرى التي تختلف في طبيعة تصور الألوهية والرسالة، ومستوى العلاقة بين الديانات التوحيدية نفسها.

وبخصوص المحور الأول، يذهب الكثيرون إلى أن الديانات البوذية والكونفوشيوسية والتاوية أقدر على قبول التنوع والتعددية والاختلاف من الأنساق التوحيدية المؤسسة على عقيدة الإله الواحد والخلاص المقيد، والحال أن هذا التصور لا تعضده الأدلة النظرية ولا الواقع التاريخي الماضي والراهن. فما يغيب عن هذه الديانات التأملية الحكمية هو أفكار الذاتية والحرية والكونية التي هي المادة العميقة لمقاربة التسامح والأخوّة الإنسانية في خلفيتها الجذرية المرتبطة بالديانات التوحيدية.

وبخصوص المحور الثاني، لا مناص من الاعتراف بثقل تركة الصراع اللاهوتي والتاريخي بين أتباع الديانات الإبراهيمية الثلاث، إلا أنها تتفق في ما وراء الصراعات والخصوصيات العقدية والمذهبية في جوهر النظرة القيمية العميقة، بما يشكل أرضية صلبة لتوافقات نوعية في مجال الأخلاقيات الكونية التي بلورها هانز كونغ.

إن المفارقة البارزة هنا تتمثل في كون الحوار الأخلاقي بين الديانات لا يمكن أن يستغني عن الخلفيات اللاهوتية، في حين أن الجدل اللاهوتي لا يمكن أن يفضي إلى نتيجة، بل من شأنه تأجيج الخلافات والصراعات، كما أثبتت كل التجارب السابقة.

ومن هنا ضرورة التفكير في نمط جديد من اللاهوت يمكن أن نطلق عليه مقولة «اللاهوت السياقي» أو «اللاهوت المنزل»، بمعنى أنه لا يتعرض للمسلمات الإيمانية والمقومات العقدية الجوهرية، لكنه يستنبط من المدونة القيمية والنصوص المرجعية في التراث اللاهوتي قيماً توافقية إجماعية تدفع خيار الحوار الأخلاقي والتضامن القيمي بين أتباع الديانات.

وبالرجوع إلى التمييزات التي أقامها الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس بين النواة اللاهوتية في الدين والمضمون العقلاني الإنساني فيه المؤهل لأن يترجم في لغة العقل العمومي، يمكن القول إن الحوار الأخلاقي الفاعل بين الديانات لا يمكن أن يتم إلا في سياق عقلاني عملي توضع فيه الاختلافات العقدية بين قوسين ويكتفى فيه باعتبارات التعايش والتضامن والتسامح.

إن هذا الخط هو الذي أطلق عليه بول ريكور «نموذج الترجمة اللغوية» القادرة على توصيل المعاني على الرغم من التباين الجوهري بين الألسن واللغات، وهو الموصل إلى ما أسماه العلامة الشيخ عبد الله بن بية «حلف الفضائل» بين مكونات العائلة الإبراهيمية.

ورغم قرارات المجمع الفاتيكاني الثاني التي ذهبت في اتجاه التفاهم مع المسلمين ودمج الإسلام في منظومة الحقيقة الإبراهيمية، فإن كونغ كان يرى في كتابه الموسوعي حول الإسلام أن على الكنيسة الكاثوليكية تمديد مفهوم الخلاص إلى الإسلام وقبوله من داخل نسقها اللاهوتي الخاص.

لقد قطعت خطوات كبرى في اتجاه التضامن والحوار الأخلاقي داخل المنظومة الإبراهيمية منذ وصول البابا الحالي فرانسيس إلى مركز السلطة الدينية العليا في المسيحية، وكان لعلماء الإسلام ومرجعياته الروحية دور حاسم في بلورة هذا الخيار المتمحور حول بوصلة الفضائل والأخوة الإنسانية.

* د. السيد ولد أباه كاتب وأكاديمي موريتاني

المصدر | الاتحاد