الخميس 22 أبريل 2021 10:17 ص

الفكر القومي العروبي ومحاولات تهميشه

كان للغة القرآن العربية دور كبير في ترسيخ وحدة اللغة أداةً لتوحيد الفكر والثقافة اللازمين لبناء وجود كل أمة.

رغم كل تلك الانقسامات ظلت الهوية العربية الإسلامية الجامعة لكل الأجزاء هي التي يشعر بها الفرد والجماعة.

ما كان لوعي الأمة بذاتها وهويتها أن يتجذر في التاريخ لولا التغيرات الكبرى التي أحدثها مجيء الإسلام كدين وكحضارة.

ستبقى الحراكات صرخات في واد يجهز عليها الاستبداد والظلام داخليا والاستعمار الاستغلالي خارجيا إن لم يرتبط النضال لأجلها بنضال عربي مشترك ومعزز.  

*     *     *

بين الحين والآخر يكتب بعض القراء تعليقات حول ما أكتبه بحماس وإيجابية مساندة عن الهوية العروبية المشتركة بين أقطار الوطن العربي، أو عندما أشير إلى الالتزامات المترتبة عن الفكر القومي.

هؤلاء القراء يشككون في الأسس التي تقوم عليها مفاهيم الأمة العربية الواحدة والوطن العربي الواحد، وفي هدف قيام نوع من الوحدة العربية التدرجية، المنبثقة عن إرادة الشعوب المعبر عنها ديمقراطياً.

وهم يعتقدون بأن ذلك الفكر الذي اجتاح بزخم جماهيري هائل كل المجتمعات العربية في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، قد أصبح من الماضي، وأن الفكر العولمي المناقض لضرورة الدولة القومية لكل أمة في هذا العالم، سيسود إن آجلاً أو عاجلاً.

وهم بالطبع يرددون، بعلم أو بغير علم، مقولات نهايات الأيديولوجيا والتاريخ، التي طرحها العديد من الكتاب السياسيين الأمريكيين، الذين تخلوا عنها بعد حين.

ملاحظات القراء تلك تحتاج أن نناقشها بهدوء وبموضوعية تامة، ذلك أن الكثير من الشعارات التي طرحها شباب وشابات الأمة العربية، إبان حراكاتهم الجماهيرية المليونية، عبر العشر سنوات الماضية، ستبقى صرخات في واد، وستجهز عليها قوى الاستبداد والرجعية والظلام في الداخل، وقوى الاستعمار الاستغلالي في الخارج، إن لم يكن النضال الوطني من أجلها مرتبط بنضال عربي مشترك مساند ومعزز وحام.

دعنا اليوم نأخذ بعض الجوانب التاريخية التي تستوجب، وتسهل في الوقت نفسه، طرح شعار الهوية الثقافية والتمسك بقيام أمة الدولة القومية:

- أولاً، أن الأمة العربية، كغيرها من الأمم الأخرى، تكونت عبر تاريخ طويل، يمتد إلى عشرات القرون من مجموعات من القبائل والشعوب.

ومع مرور الوقت، واشتراكها في السراء والضراء، تكوّن لديها وعي بذاتها وخصوصيتها اللغوية والمسلكية، وشتى الصور التعبيرية، مثل الشعر والأساطير والبناء.

وقد ساهمت الحروب في ما بينها، والهجرات، في اختلاط تلك القبائل والشعوب وتفاعلها الديني والثقافي والعرقي، وذوبان حضارات سابقة في حضارات جديدة.

وبالطبع لعبت الجغرافيا الواحدة والمتقاربة والمنفتحة على بعضها، بفعل الصحارى والأنهر المشتركة والبحار المتداخلة، دوراً كبيراً في كل ما حدث من توحيد مادي ومعنوي.

- ثانياً، لكن ما كان لنضج وجود الأمة ووعيها الشديد بذاتها وهويتها أن يتجذر في التاريخ، وعبر القرون، لولا التغيرات الكبرى التي أحدثها مجيء الإسلام كدين وكحضارة في كل جزء منها أولاً، ثم ثانياً في أرض العرب كلها، القديمة والجديدة الزاحفة باسم الدين الجديد، وأصبح صعباً عند ذاك التفريق بين أنا الإسلام وأنا العرب.

وبالطبع كان للغة القرآن العربية دور كبير في ترسيخ وحدة اللغة، أداة توحيد الفكر والثقافة اللازمين لبناء وجود كل أمة. هناك من المؤرخين من يعتقد بأن كيان الأمة شبه القانوني والدستوري بدأ مع صحيفة النبي في المدينة، التي كانت عبارة عن تأكيد بأن المهاجرين والأنصار واليهود العرب يكونون أمة واحدة متضامنة ضد أعدائها.

كان ذلك الكيان العربي الرسمي هو منطلق التوسع في الجزيرة العربية، ثم في ما وراءها، متمثلاً في دولة الأمويين الشديدة التمسك بكل ما هو عربي أولاً، ثم في دولة العباسيين الشديدة الشبه بامبراطورية جامعة لشعوب عديدة، ثم في أشكال من الدول المستقلة عن مركز الخلافة الإسلامية بهويات محلية إلى حد ما، ولكن من دون أن يستطيع أحد منها الوصول إلى الدولة القومية، دولة الأمة.

لكن رغم كل تلك الانقسامات، ظلت الهوية العربية الإسلامية الجامعة لكل الأجزاء هي التي يشعر بها الفرد وتشعر بها الجماعة.

ذاك التاريخ الموحد لم يقف عند تلك الحدود الزمنية، وظل متمظهراً عبر القرون الحديثة، كما سنبينه في مقال مقبل. من هنا أهميته الكبرى في تكوين الهوية الواحدة وفي طرح شعار الأمة العربية الواحدة.

* د. علي محمد فخرو كاتب وسياسي بحريني

المصدر | الشروق