الثلاثاء 4 مايو 2021 09:24 م

تشتد حاجة العراق إلى تأمين حدوده ضد التجارة غير المشروعة التي لا تزال تلحق الضرر بالدولة مع استمرار الصراع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. ويرسم تقرير حديث لوكالة "فرانس برس" صورة مقلقة لمدى سيطرة الجهات غير الحكومية على معابر العراق، خاصة على طول حدودها الممتدة لـ 1000 ميل مع إيران.

وبسبب الفساد وضعف جهاز الجمارك وشبكات المحسوبية الإجرامية، قامت العصابات الشبيهة بالمافيا بجني مليارات الدولارات بدلا من الحكومة العراقية التي تعاني من ضائقة مالية. وبمرور الوقت، تعزز هذه العصابات من نفوذها الاقتصادي في جميع أنحاء البلاد. كما أن ضعف سيطرة بغداد على حدودها يهدد بتفاقم عدد لا يحصى من التحديات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية التي تواجه بالفعل هذه الدولة الهشة.

وبعد حملة دموية لمكافحة التمرد بدأت في 2014 وما زالت مستمرة حتى يومنا هذا، نجحت الحكومة العراقية تدريجياً، بمساعدة القوات الدولية والميليشيات المحلية، في استعادة السيطرة على مساحات شاسعة من الأراضي التي استولى عليها "تنظيم الدولة". ومع ذلك، استفادت الجهات الفاعلة غير الحكومية مثل "قوات الحشد الشعبي" والعديد من الجماعات الفرعية التابعة لها من الفوضى لتوطيد سلطتها في مناطق واسعة من البلاد، بما في ذلك المعابر الحدودية الخمسة على حدود العراق مع إيران، وذلك بمساعدة من الحرس الثوري الإيراني.

ووفقًا لوكالة "فرانس برس"، تحافظ المليشيات القوية على وجودها في جميع أنحاء البلاد ولكنها نشطة بشكل خاص في معبر "مندلي" الحدودي وميناء "أم قصر" الذي يعد الميناء البحري الرئيسي في العراق ونقطة الدخول الرئيسية للواردات.

ويوجد وضع مماثل على طول الحدود مع سوريا وداخل إقليم كردستان شمال البلاد، فقد تم إغلاق معبر "البوكمال-القائم" الحدودي العراقي من عام 2011 حتى سبتمبر/أيلول 2019 بسبب الصراع السوري. ويعد المعبر بمثابة نقطة تهريب رئيسية بين البلدين. وبعد إعادة فتح الحدود، فرضت "قوات الحشد الشعبي" سيطرة غير رسمية وفرضت ضرائب على البضائع المشروعة وغير المشروعة، بما في ذلك المخدرات وشحنات النفط.

تستخدم "قوات الحشد الشعبي" وغيرها من الجهات الفاعلة غير الحكومية مجموعة من الممارسات الإجرامية والاحتيالية للتحايل على عمل حرس الحدود والبروتوكول الجمركي. وتشمل هذه الممارسات تزوير الفواتير التجارية (حيث يقوم المستوردون بالعبث ببيانات المنتجات أو التقليل من قيمتها لدفع رسوم استيراد أقل) وتشجيع المسؤولين على غض الطرف عن عمليات التفتيش الإلزامية للسلع.

ويستغل الموظفون الفاسدون هذا الوضع للحصول على عمولة حتى أصبحت الرشوة والابتزاز أمرا شائعا. وتهدد "قوات الحشد الشعبي" بانتظام عائلات عمال الموانئ الذين لا يتماشون مع أنشطتهم الإجرامية، بما في ذلك، الوسطاء أو المخلّصون الذين توظفهم الدولة للإشراف على أنشطة الاستيراد والتصدير. وعمليا، فإن انتشار الرشوة والابتزاز بين المخلّصين وغيرهم من مسؤولي الجمارك يزيل جميع الحواجز الرسمية أمام العمليات غير المشروعة.

يضاف لذلك ضعف منظومة الجمارك التي عفا عليها الزمن والتي لم تتغير إلا قليلاً منذ عهد "صدام"، ووفقًا لبيانات البنك الدولي، فإن الإجراءات البيروقراطية طويلة وتتطلب تكاليف أكبر بكثير مما هي عليه في أجزاء أخرى من الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وغالبًا ما يدفع التجار والشركات مقابل تجاوز العقبات البيروقراطية. ويشكل موظفو الجمارك أيضًا جزءًا من قطاع عام غير فعال إلى حد كبير. وبسبب الوباء والانهيار العالمي في أسعار النفط، فإن الدولة تكافح حاليًا لدفع الرواتب.

وأصبحت التداعيات الاجتماعية والاقتصادية لفشل الدولة العراقية في إدارة حدودها محسوسة في جميع أنحاء البلاد. وتعكس الأنشطة غير المشروعة في معابر الدخول أيضًا مشكلة الفساد الأوسع في العراق، حيث احتلت الدولة المرتبة 160 من أصل 180 على مؤشر مدركات الفساد "لمنظمة الشفافية الدولية". ويزيد من تعقيد هذا الوضع ثقافة التنافس بين الكتل السياسية المنقسمة على أسس طائفية حيث تُستخدم الرشاوى ومختلف أشكال الضغط بانتظام لانتزاع تنازلات تعود بالفائدة على كتلة واحدة، وغالبًا ما يكون ذلك على حساب عموم السكان.

ويحرم الفساد (الممتد من أروقة السلطة إلى الحدود) بغداد من الموارد المالية اللازمة لتطوير خدماتها العامة المستنزفة. وعلى سبيل المثال، خصصت الدولة 2.9% فقط من ميزانيتها عام 2019 للرعاية الصحية، وهو أقل بكثير من جيران العراق الأفقر. كما أن الاتجار عبر الحدود هو بلا شك سبب رئيسي لعدد كبير من التحديات الصحية في العراق حيث أصبحت حدود البلاد مستباحة أمام مهربي المخدرات والمواد غير المشروعة. وتزداد خصوصية هذا الوضع على طول الحدود الجنوبية مع إيران، وهو طريق تهريب رئيسي لـ"ميثامفيتامين" الذي يُعتقد أنه يمثل 60% من تجارة المخدرات في العراق.

ويعرقل الفساد على الحدود النمو الاقتصادي للعراق، حيث يقدر المحللون أن التهريب والأنشطة غير المشروعة الأخرى تحرم الدولة من إيرادات تتراوح بين 3 إلى 4 مليارات دولار. كما لعبت أوجه القصور في معابر الدخول دورًا رئيسيًا في تدهور قطاع الخدمات اللوجستية في العراق.

ووفقًا لمؤشر الأداء اللوجستي للبنك الدولي لعام 2018، يحتل العراق المرتبة 147 من بين 160 دولة تم تقييمها، كما احتل مرتبة أسوأ من ذلك (153) في الفئة الفرعية لكفاءة الجمارك. كما تؤدي التأخيرات والتشوهات في الأسعار والسلوك المناهض للمنافسة العادلة الناتج عن الفساد والاحتيال الجمركي إلى ارتفاع أسعار المستهلك للسلع المستوردة. ويعتبر هذا أمرا مقلقا  بالنسبة لدولة تعتمد على الواردات لتلبية نصف احتياجاتها الغذائية.

تسمح ضعف قبضة الدولة العراقية على معابرها الحدودية بتهريب المواد التي تشكل تهديدًا للأمن القومي والإقليمي. وغالبًا ما توفر تجارة الأسلحة فرصة ربح كبيرة خاصة مع وجود اشتباكات مسلحة. على سبيل المثال، فإن حزب العمال الكردستاني متهم بتحويل الأموال من المخدرات وأنشطة التهريب الأخرى إلى عملياته العسكرية ضد عدد كبير من الجهات الفاعلة الإقليمية، وعلى الأخص تركيا. وإلى الغرب، سمحت الضوابط الحدودية الضعيفة عند معبر "البوكمال - القائم" لإيران بتهريب الأسلحة إلى سوريا، ما ساهم في تفاقم الصراع.

وقد حققت جهود رئيس الوزراء العراقي "مصطفى الكاظمي" لإعادة سيطرة الدولة على حدود البلاد من خلال التركيز في البداية على معبر "مندلي" و"أم قصر" بعض النتائج المشجعة حتى الآن. وبحسب "عمر الوائلي"، مدير هيئة المنافذ الحدودية العراقية، فقد حققت الدولة زيادة متواضعة في الإيرادات الجمركية بلغت 60 مليون دولار في عام 2020. وقد ساهم فصل المسؤولين الفاسدين ونشر قوات أمنية إضافية وزيادة عمليات التفتيش على المنافذ الحدودية في تحقيق هذا التحسن. وإذا أراد العراق أن يقوم بعمل جاد في هذا الثقب الأسود الجمركي الذي تبلغ تكلفته مليارات الدولارات، فعليه أن يواصل هذا العمل بكثافة.

وفي سبتمبر/أيلول الماضي، أطلق "الكاظمي" حملة طموحة للقضاء على الحيازة غير القانونية للأسلحة. وبدعم من المرشد الديني الأعلى في العراق "علي السيستاني"، ورئيس الوزراء السابق "نوري المالكي"، وزعماء العشائر، ركزت المبادرة بشكل أساسي على المحافظات الجنوبية في البلاد وحول بغداد. وبالرغم من بعض النجاحات الملحوظة، فقد أثيرت مخاوف بشأن قرار التركيز على مصادرة الأسلحة الثقيلة، ما يعني ضمنيا استمرار "العمل كالمعتاد" بالنسبة لمهربي الأسلحة الخفيفة.

وتحتاج جهود العراق لاستعادة السيطرة على حدوده أيضًا إلى الموازنة مع عدد من التحديات الاقتصادية والأمنية والاجتماعية. وتدعو الاحتجاجات المناهضة للحكومة التي بدأت في عام 2019 إلى تفكيك الهيكل السياسي بعد عام 2003 ووضع حد للفساد المنهجي، وتحسين الظروف المعيشية للعراقيين من جميع الخلفيات العرقية والسياسية والطائفية. وفي هذا الصدد، تشكل الحدود أكثر من مصدر دخل أو نقطة وصول؛ كما أنها تولد إحساسًا بالهوية والانتماء القومي.

ويجب أن يظل تعزيز الشفافية وتحسين إدارة البلاد لحدودها أولوية رئيسية للحكومة العراقية وقوات التحالف والمنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة ومنظمة الجمارك العالمية. وبدون سيطرة كاملة من الدولة، ستزداد فرص الفاعلين الفاسدين، والتأثير الخارجي الخبيث، وحتى عودة ظهور تنظيم "الدولة الإسلامية".

المصدر | بريت سوديتك وآدم ديمبسي | منتدى الخليج الدولي – ترجمة وتحرير الخليج الجديد