الأربعاء 5 مايو 2021 05:16 ص

مصداقية إدارة بايدن على المحك ديمقراطياً

أخلاقيا ينبغي أن يكون الموقف من الانتخابات والديمقراطية مبدئياً لا يتجزأ أو يخضع لانتقائية وازدواجية معايير بحيث تكون مرغوبة هناك وغير مرغوبة هنا.

سقطت إدارة بايدن بأول اختبار في دعم القيم الديمقراطية وسيصعب عليها إقناع دعاة الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان بالمنطقة بأنها تدعمهم وتقف بجانبهم.

تؤكد إدارة بايدن كالإدارات الأمريكية السابقة انحيازها لمصالحها ولتذهب الانتخابات والديمقراطية للجحيم إن تعارضت مع المصالح من قريب أو بعيد.

*     *     *

قبل أكثر من شهر تم تداول معلومات عن رسائل وجهتها الإدارة الأمريكية للرئيس الفلسطيني محمود عباس، تعبّر فيها عن عدم الرغبة بإجراء انتخابات فلسطينية غير مضمونة النتائج ويُخشى أن تتقدم فيها حركة حماس ومعارضو اتفاقية أوسلو، وتُطمئن الرئيس بأنه ليس مضطراً لإجراء الانتخابات بصورة سريعة لتجديد شرعيته.

شخصياً ترددتُ في تصديق تلك المعلومات، فالإدارة الأمريكية في بداية عهدها، ومثل هذا الموقف يسيء إلى صورتها كإدارة ديمقراطية تسلّمت إدارة مقاليد السلطة منذ فترة وجيزة.

وترغب بتقديم صورة أخلاقية مغايرة لتلك التي رسمتها إدارة دونالد ترمب التي داست القيم الأخلاقية والديمقراطية وتحالفت مع الطغاة والمستبدين في أنحاء العالم ووفّرت لهم الغطاء المطلوب للبطش بمعارضيهم ولانتهاك الحريات وحقوق الإنسان وشطب المسار الديمقراطي.

لكن الموقف الأمريكي المعلن من تأجيل عباس للانتخابات بذريعة واهية لا تقنع طفلاً فلسطينياً، أكد عدم رغبة إدارة بايدن بإجراء الانتخابات الفلسطينية، وهو موقف انحازت فيه للرغبة الإسرائيلية ولرغبة عديد من حكومات المنطقة المتوجسة خيفة من نتائج الانتخابات الفلسطينية، والتي نصحت، بل وضغطت على السلطة الفلسطينية لإرجاء الانتخابات لأجل غير مسمى وموعد غير محدد.

الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية الأمريكية نيد برايس علّق على قرار عباس بتأجيل الانتخابات بالقول "إن الإدارة الامريكية لا تمانع ارجاء الانتخابات التشريعية الفلسطينية إذا ما اختار الفلسطينيون موعداً ملائما أكثر".

وقبل ذلك بأسبوعين، أي قبل قرار عباس بتأجيل الانتخابات، نقلت صحيفة القدس الفلسطينية في 17 نيسان عن مصدر أمريكي قوله " إن إدارة الرئيس بايدن ستنظر بتفهم إلى احتمال تأجيل الانتخابات بعضاً من الوقت".

والرسالة التي يوجهها موقف إدارة بايدن لشعوب المنطقة التوّاقة للحرية والديمقراطية، واضحة ومفادها أننا سندعم ديمقراطيتكم وانتخاباتكم إن هي كانت مضمونة النتائج وجاءت بمن يتساوقون مع مصالحنا وتوجهاتنا ولم تغضب "إسرائيل" وبقية الحلفاء في المنطقة.

فيما الرسالة الموجهة لأعداء الديمقراطية الذين تنفّسوا الصعداء، مفادها أن افعلوا ما يحلو لكم ما دمتم قادرين على توظيف فزاعة الإسلاميين واحتمالات فوزهم في انتخابات شفافة ونزيهة.

فالديمقراطية في منطقتكم ليست أولوية أمريكية ثانية أو حتى عاشرة، ولا بأس بقبول مقولة عزام الأحمد بأن الديمقراطية والانتخابات يمكن أن تكون لمرة واحدة ثم ينتهي الأمر.

أخلاقياً، الموقف من الانتخابات والديمقراطية ينبغي أن يكون مبدئياً لا يتجزأ ولا يخضع للانتقائية وازدواجية المعايير، بحيث تكون مقبولة ومفضّلة هنا ومرفوضة وغير مرغوبة هناك.

وإدارة بايدن سقطت باختبارها الأول في دعم القيم الديمقراطية، وسيكون صعباً عليها إقناع دعاة الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان في المنطقة بأنها تدعمهم وتقف في صفهم.

بل هي كحال كل الإدارات الأمريكية السابقة، تؤكد انحيازها لمصالحها، ولتذهب الانتخابات والديمقراطية إلى الجحيم إن هي تعارضت مع تلك المصالح من قريب أو بعيد.

* عاطف الجولاني رئيس تحرير صحيفة "السبيل".

المصدر | السبيل