الخميس 6 مايو 2021 04:54 ص

عندما يخضع كل المجتمع للهيمنة

هناك تشابه تام بين كل ما يتلفظ به «كبار» الإعلاميين إذ أن مصدره الخفي واحد، والرشوة واحدة.

فضائح التدخل في أمور السلطات القضائية ، تزكم الأنوف وتشير إلى قرب موت آخر معقل للعدالة

أي مؤسسة بقيت في بلاد العرب دون أن تهيمن عليها أو تبتزها أو تلاحق العاملين فيها، مؤسسات الحكم العربية؟

هل بقيت مؤسسة مجتمعية واحدة ببلاد العرب لم تقع في شباك الهيمنة والاستعمال الانتهازي لمصالح الامتيازات والمكانات والتاريخ المزور؟

حاولت وأنا استمع لأنين أصحاب الصحافة أن أسمي مؤسسة مجتمعية عربية واحدة خارج ذلك السجن المريع، ولكني فشلت. لعنة شيطانية يحار الشياطين أمام جبروتها وأهوالها.

*     *     *

أي مؤسسة بقيت في مجتمعات بلاد العرب من دون أن تهيمن عليها، أو تبتزها، أو تلاحق العاملين فيها، مؤسسات الحكم العربية؟

فمؤسسات التشريع والرقابة، أصبحت غالبيتها صورية مظهرية، إما من خلال انتخابات مزورة تديرها شتى أجهزة الاستخبارات، أو من خلال ليّ أذرع، وابتزاز غير المطيعين، أو من خلال تنظيمات وقوانين تحد من قدرتها على قيامها بواجباتها التشريعية والرقابية، بحرية واستقلالية لا تراعي إلا مصالح المواطنين العامة.

وفضائح التدخل في أمور السلطات القضائية، من تعيين الفاسدين المرتشين إلى إقصاء أصحاب الضمائر والعدل بشتى الحجج، تزكم الأنوف وتشير إلى قرب موت آخر معقل للعدالة.

خلق مؤسسات وهمية، مثل النقابات العمالية المستقلة المرادفة للانتهازية، أو مثل مؤسسات حقوق الإنسان المضادة لكل ما تقوله مؤسسات حقوق الإنسان العالمية المستقلة، أو مثل حل مجالس إدارة الجمعيات المهنية والأهلية، إذا كانت من غير أصحاب الولاءات الكاذبة لهذه الجهة أو لتلك الشخصية، وعشرات غيرها، ليصبح المجتمع خاضعا لسلطة الدولة، بدلا من خضوع الدولة لحقوق ومصالح وتطلعات مجتمعاتها الحرة المستقلة.

وبالطبع، وقبل كل شيء، استعمال المؤسسات الدينية وفقهائها المتربين على الطاعة العمياء لكل أمر، أو توجيه باسم الدين، أو باسم فهم بليد، وتفسير سطحي للرسالات السماوية، استعمالهم لتبرير كل أخطاء وموبقات ومظالم السياسة، تماما كما تلبس بائعة الهوى لباس الحشمة. وهكذا، ومنذ ثلاثة أيام، احتفل العالم، بما فيه بلاد العرب، بيوم الصحافة.

وقد بكيت حرقة وأنا استمع، من خلال شتى المقابلات التلفزيونية والاتصالات الإذاعية، لشكاوى وقصص وأحزان ومخاوف العاملين في الصحافة ووسائل الإعلام الأخرى العربية، كانت الشكاوى والآهات واحدة متطابقة للمنتمين لكل الأقطار العربية.

الغالبية الساحقة وصفوا الضغوط الشخصية والمهنية والمالية، التي تمارسها وزارات الإعلام، أو شتى شبكات الاستخبارات، أو بعض الوزارات لتحد من قدرتهم على نقل الأخبار الصحيحة، إذا كانت لا تمجد نظام الحكم، أو نقد الأوضاع العامة، أو التعبير عن الأفكار السياسية التحررية. بعضهم فصلوا من وظائفهم، والبعض الآخر دخلوا السجون.

بعض العاملات جرى التحرش بهن جنسيا، وأحيانا اغتصابهن. بعض العاملين هُددوا بالقتل، أو حتى قتل الأقارب. وبالطبع بعضهم وبعضهن هاجروا إلى المنافي حفاظا على الأرواح، أو على الشرف، أو على الضمير.

وقد تفننت بعض الحكومات في إصدار القوانين الغامضة، المليئة بالكلمات القابلة لألف تفسير، من أجل جعل كل إعلامي غير زبوني، أو موال أو كاذب يشعر بأن جبروت المخابرات وميليشيات التعذيب في السجون حاضرة أمامهم في الحلم وفي الخيال.

من هنا، كما قال بعضهم، التشابه التام بين كل ما يتلفظ به «كبار» الإعلاميين، إذ أن مصدره الخفي واحد، والرشوة واحدة.

وهكذا يحق لنا أن نسأل: هل بقيت مؤسسة مجتمعية واحدة في أرض العرب لم تقع في شباك الهيمنة والاستعمال الانتهازي لمصالح الامتيازات والمكانات والتاريخ المزور؟

حاولت، وأنا استمع لأنين أصحاب الصحافة، أن أسمي مؤسسة مجتمعية عربية واحدة خارج ذلك السجن المريع، ولكني فشلت. إنها لعنة شيطانية يحار الشياطين أنفسهم أمام جبروتها وأهوالها.

* د. علي محمد فخرو سياسي ومفكر بحريني

المصدر | الشروق