مواجهة وجهي التنمر والعجز

صورتان بائستان لوضع بلاد العرب السياسي تدفعان كثيرين للتساؤل: «وما الحل؟» والجواب لن يكون سهلا!

وجه التنمر يحل محله وجه الحذر المرعوب وقلة الحيلة والمروءة والالتزام بأدنى المسؤوليات القومية والإسلامية والإنسانية.

محاولات مستمرة لتشويه صورة وتاريخ كلمة أيديولوجيا كجزء من حملة نيوليبرالية عولمية لإبعاد الشباب عن الاهتمام بالسياسة.

ضرورة فهم جيل شباب المستقبل الصحيح الموضوعي لمكانة ودور الأيديولوجيا في ممارسة الحياة السياسية، وفهم ما يترتب على غيابه.

تصر دوائر الحكم والامتيازات على إبعاد الشباب عن الاهتمام بممارسة السياسة وتبني غاياتها التقدمية التحررية والحقوقية العادلة.

جيشت الدول العربية قدرات مالية وأمنية وعلاقات زبونية لاستباحة مؤسسات الدولة والمجتمع المدني فلم يعد له يوجد بل تنمر وجبروت الحكم والإدارة والأمن.

*     *     *

في مقال تحت عنوان «عندما يخضع كل المجتمع للهيمنة» بينا في الأسبوع الماضي كيف استطاعت الغالبية الساحقة من الدول العربية تجييش كل قدراتها المالية والأمنية، وعلاقاتها الزبونية للاستباحة والهيمنة على كل مؤسسات الدولة ومجتمعها المدني، بحيث لم يعد يوجد أي وجود للمجتمع يذكر، وإنما تنمر وجبروت مؤسسات الحكم والإدارة وسلطات الأمن.

شاءت الصدف العجيبة أن يظهر الوجه الآخر لتلك الصورة التي رسمنا في ذلك المقال. فغدا وجه التنمر يحل محله وجه الحذر المرعوب، وقلة الحيلة والمروءة، والالتزام بأدنى المسؤوليات القومية والإسلامية والإنسانية.

لقد أزاح القناع عن ذلك الوجه شباب وشابات وشيوخ وعجائز وأطفال القدس وفلسطين، وهم يتحدون جنود الاحتلال الصهيوني، ويبذلون الغالي والرخيص من أجل الحفاظ على قدسية رمز عربي وإسلامي، يخص جميع المسلمين والمسيحيين، رمز المسجد الأقصى المبارك.

وقد أظهرت تلك الصورة البائسة غيابا مخجلا للحساسية الإنسانية تجاه صيحات الجرحى، وأنين المحاصرين، وآهات المقبوض عليهم لإدخالهم في سجون التعذيب والقهر والإهانات.

وكل ما رأيناه وسمعناه لم يزد عن شجب من هنا ودعوة للهدوء من هناك، وسميت المذبحة أحداث عنف بين طرفين متخاصمين. ولم يستدع سفير واحد، ولم يهدد بقطع هذه العلاقة أو تلك.

صورتان بائستان للوضع السياسي في بلاد العرب، تدفعان للتساؤل من قبل الكثيرين: «وما الحل؟» والجواب لن يكون سهلا، ولكن لا بد من رسم بعض الخطوات الأولية المحورية في طريق ذلك الحل.

هنا يجب أن يتوجه الخطاب إلى أجيال المستقبل، بعد أن أصبح عبثا التوجه نحو الأجيال السابقة التي ارتكبت الكثير من الأخطاء والحماقات، التي سهلت الوصول إلى الحالة العربية الراهنة، بوجهيها المتقابلين المتناقضين اللذين وصفنا: وجه التنمر ووجه العجز.

في اعتقادي أن من أولى الخطوات هي فهم جيل شباب المستقبل الصحيح الموضوعي، لموضوع مكانة ودور الأيديولوجيا في ممارسة الحياة السياسية، وفهم ما يترتب على غيابه.

من الضروري أن يدرك شباب وشابات هذه الأمة، أن هناك محاولات مستمرة لتشويه صورة وتاريخ كلمة «الأيديولوجيا» كجزء من حملة نيوليبرالية عولمية، وإصرار متنام من قبل دوائر الحكم والامتيازات، لإبعاد الشباب عن الاهتمام بالسياسة وممارستها، ورفع شعاراتها التقدمية التحررية والحقوقية العادلة.

هذه الحملة ليست معنية بمراجعة نقدية موضوعية علمية لممارسات خاطئة وقعت فيها بعض الحركات السياسية الأيديولوجية، ولا لإعادة النظر في بعض الجوانب الفكرية في المفاهيم الأيديولوجية، التي كتبت منذ قرنين وتحتاج الآن لإعادة الكتابة، وذلك على ضوء مستجدات علوم النفس والاجتماع والاقتصاد والسياسة والتاريخ، وإلا لكان الأمر سيكون طبيعيا، فكل الأفكار تحتاج لمراجعة دورية.

لكن المقصود هو إنهاء ظاهرة الأيديولوجيات النضالية التي ساهمت عبر القرنين الماضيين على الأخص في ضبط معاني كلمات وشعارات السياسة، وفي الإصرار على أن تكون تلك الكلمات والشعارات متناغمة مع القيم الإنسانية والروحية والأخلاقية، وفي جعل الفكر السياسي فكرا شاملا غير مجزأ إلى نتف من الأفكار والجمل والخطابات والكلمات غير المترابطة وغير المنسجمة مع بعضها بعضا.

وهذا يقود إلى حلول آنية مؤقتة لهذا المطلب السياسي أو ذاك، من دون التوجه إلى إزالة الأسباب الحقيقية التي قادت إلى ذلك المطلب، وبالتالي إبقاء الوعي السياسي مجزأ وغير مترابط في مكوناته وأهدافه التي يناضل من أجلها.

إن مثل تلك الخطوات، وهي عدة ومترابطة ومتناغمة، هي التي ستعيد إلى النضال السياسي عمقه الفكري، الذي من دونه سيظل نضال الشباب والشابات العرب السياسي يتعامل مع الآني المؤقت على حساب التغيير الأساسي العميق الضروري. ولنا عودة إلى الموضوع مستقبلا.

* د. علي محمد فخرو سياسي ومفكر بحريني

المصدر | الشروق