الخميس 27 مايو 2021 05:03 ص

ثقافة الشماتة في أوقات البطولة

خمسة وستون طفلا من شهداء غزة مزقوا خلال أحد عشر يوما الأقنعة عن وجوه وأقوال وظواهر طاغوتية!

نحن أمام كارثة أخلاقية وإنسانية لا يمكن تبريرها ولا استجداء الأعذار لها فما حدث كان سقوطا مذهلا لكل فضيلة وقيمة وأعراف إنسانية.

مشاعل الالتزام الأخلاقي والإنساني تظهر الوجه القبيح لكل من شمت وغمز ولمز وتآمر وصمت وباع ضميره، إبان أحد عشر يوما من المجد والسمو.

أبشع صور غياب المروءة والإنسانية متداولة بوسائل التواصل الاجتماعي العربية بأشكال عدائية من استهزاء وشماتة ولمز تجاه ما تعرضه غزة من البطولة والفداء!

*     *     *

أنا مضطر أن أؤجل متابعة موضوع الأيديولوجية القومية العربية إلى أسبوع مقبل. ذلك أن خمسة وستين طفلا من شهداء غزة، مزقوا خلال أحد عشر يوما الأقنعة عن وجوه وأقوال وظواهر طاغوتية! أين منها طواغيت مكة والجاهلية، إبان حياة نبي الإسلام محمد (صلى الله عليه وسلم) التي غضب الله عليهم ولعنهم، وهو التواب العادل الرحيم الغفار.

لقد قرأنا لرجل ديني مدسوس على الدين والتاريخ والتراث، يصرح بأن المسجد الأقصى المبارك في القدس المباركة، الذي كان يدافع عنه بالروح وبطولات الشهداء أهل فلسطين، ليس هو المسجد الذي جاء ذكره في القرآن، فمسجد القرآن، حسب هلوساته، هو مسجد متخيل يقع ما بين الطائف ومكة.

الهدف واضح: إذا احتل مستوطنون وجنود صهاينة المسجد الأقصى المبارك، فإنهم لا يعتدون على رمز إسلامي مقدس، فالأمر كله لا يتعدى خلافا حول مبنى أثري قديم، والمتخاصمون هم تجار عقارات ليس إلا.

ثم استمعنا إلى رجل دين آخر يخبرنا عن آخر اكتشافاته الفقهية، يؤكد، لا فض فوه، بأن الديانة اليهودية هي أقرب للإسلام من الديانة المسيحية: لا تهمنا الشطحات الفقهية التي تخرج من أفواه بعض (المجتهدين) بين الحين والآخر.

ما يلفت النظر هو توقيت النشر، إذ في الوقت الذي كان يتم فيه التلاحم الأخوي والديني والوطني، ما بين المسلمين والمسيحيين الفلسطينيين وباقي العرب، يخرج علينا هذا المجتهد بتصريح يبعد، ذهنيا وشعوريا، الإخوة المسيحيين عن التعاطف والتعاضد مع اخوتهم من المسلمين بشأن مركزية القدس، بمساجدها وكنائسها، في الصراع العربي الصهيوني.

ثم شاهدنا وسيلة إعلام عربية، وفي نشرة أخبارية، تصنف جنديا عربيا مات في أحد الصراعات العربية بلقب شهيد، بينما تصنف شابا مقدسيا وهو يدافع لمنع المستوطنين الصهاينة من تدنيس المسجد الأقصى بلقب القتيل.

حتى ما تكرم به الله لذلك الشاب الشجاع المعطاء، حاولت تلك الجهة الإعلامية سرقته منه. ثم قرأنا أبشع صور غياب الشهامة والمروءة والإنسانية متداولة على وسائل التواصل الإجتماعي العربية في أشكال عدائية من الاستهزاء والشماتة واللمز تجاه ما كانت غزة تعرضه من أروع أنواع البطولة والفداء بالنفس وتفضيل الموت على الحياة في الذل والاستجداء..

حتى صور أطفال غزة، وهم يضعون رؤوسهم بين أرجلهم، وأياديهم على آذانهم، اتقاء ورعبا واستغاثة، حتى تلك الصور لم تستطع أن تقنع كتبة ومجانين العبث، بالانكفاء والسكوت، والإحساس بالحياء لمدة أحد عشر يوما من الجحيم الذي عاشته الأمة كلها.

عندما تنزل إلى الدرك الأسفل من البذاءة والعبث، مشاعر الجنون القبلي والطائفي والمناطقي والسياسي الولائي الزبوني، في أي مجتمع، كما حدث إبان الهجمة البربرية الحاقدة على غزة، فإننا أمام كارثة أخلاقية وإنسانية لا يمكن تبريرها ولا قبولها ولا حتى استجداء الأعذار لها، ما حدث كان سقوطا مذهلا لكل فضيلة وقيمة وأعراف إنسانية.

هناك مرض نفسي ـ سياسي ـ ثقافي تتبناه جهات عربية، بتنسيق مع الصهيونية، وتنشره، يؤكد وينادي برجوع الإنسان العربي إلى أكثر المشاعر والغرائز بدائية، لكأن قرنا كاملا من الدخول في الحداثة والعصرنة قد ذهب مع الريح.

ما يراد تحقيقه، كاستراتيجية استعمارية صهيونية، هو النيل من روح وعزيمة المقاومة العربية، التي يحمل عبء وتضحيات صمودها نفر قليل ممن يقبضون على الجمر.

لكن ملايين العرب الذين خرجوا في شوارع مدن الوطن العربي كله، وملايين النبلاء الأشراف الذين ملأوا شوارع مدن العالم كله، أكدوا بما لا يقبل الشك على أن مشاعل الالتزام الأخلاقي والإنساني مازالت تشتعل، وتظهر الوجه القبيح لكل من شمت وغمز ولمز وتآمر وصمت وباع ضميره، إبان أحد عشر يوما من المجد والسمو.

* د. علي محمد فخرو سياسي ومفكر قومي بحريني

المصدر | الشروق