الجمعة 11 يونيو 2021 04:56 ص

استشراق أم استعراب؟

المستشرقون لا ينفون التزامن بين صعود الدراسات الشرقية في الغرب وصعود الظاهرة الاستعمارية.

هل كون الاستشراق ازدهر في الغرب بالذات يعود إلى أن الغرب بات الأقوى قياساً إلى الشرق الذي تردت أحواله وتخلفت؟!

ازدهرت الدراسات الشرقية في عصر التمركز الاستعماري ولم يكن الاستشراق بعيداً عن المسعى الأوروبي الاستعماري للسيطرة ولا بريئاً منه.

مفهوم «الاستعراب» ليس بديلاً عن الاستشراق لكنه قد يكون توجهًا لتأسيس فرع أو حتى عِلم مستقل يعنى بدراسة اللغة والثقافة العربيتين وبلاد العرب.

*     *     *

جعل كتاب إدوارد سعيد: «الاستشراق»، من هذا الاستشراق موضوعاً للسجال المستمر في الثقافة العربية، لا بل الجدل الفكري في العالم كون سعيد كتبه باللغة الإنجليزية، بل إنه أصبح موضوعاً للجدل في الغرب قبل أن يترجم إلى اللغة العربية في أكثر من ترجمة.

وعلى أهمية وعلمية تناول سعيد موضوعة الاستشراق، لم يكن الأول بين المفكرين العرب ممن تناولوا هذا الموضوع، وتنبهنا الدكتورة فاطمة عبد الفتاح في دراسة لها نشرت قبل أكثر من عشرين عاماً، إلى دراسة حول الموضوع نفسه للمفكر أنور عبد الملك، سابقة لكتاب سعيد، عنوانها: «الاستشراق في أزمة»، نشرت في دوريات غربية في ستينات القرن الماضي.

ليس بعيداً عن رؤية إدوارد سعيد، رأى عبد الملك أن الدراسات الشرقية التي شملت، في ما شملت، العالم العربي كونه جزءاً من الشرق، ازدهرت في عصر التمركز الاستعماري، وأن الاستشراق ليس بعيداً عن، ولا بريئاً من المسعى الأوروبي الاستعماري للسيطرة على ما وصفه عبد الملك بـ«القارات المنسية».

لكن بعض المستشرقين، وبينهم من أحبّوا الثقافة العربية – الإسلامية وتعمقوا في دراستها مثل مكسيم رودنسون لا يوافقون على هذا التعميم، وينبهون إلى الجانب المعرفي في الاستشراق، الذي انطلق عند بعض رموزه من الرغبة في إضافة الشرق إلى الحضارات الكلاسيكية التي تستلهمها الحضارة الأوروبية.

وكون الاستشراق ازدهر في الغرب بالذات، يعود إلى أن الغرب بات الأقوى قياساً إلى الشرق الذي تردت أحواله وتخلفت. وإن كان هؤلاء المستشرقون لا ينفون التزامن بين صعود الدراسات الشرقية في الغرب وصعود الظاهرة الاستعمارية.

إذا كان العالم العربي هو فقط حيزاً جغرافياً محدوداً، مهما كبر، من دائرة الاستشراق، الذي يغطي الشرق كله، فإن ثمة حديثاً عن ظاهرة أو منهج أكثر تحديداً، عندما يتعلق الأمر بالعالم العربي، هو ذاك الذي يطلق عليه «الاستعراب»، وكما هو واضح فإن المفردة مشتقة من «العرب»، مثلما اشتقت مفردة «الاستشراق» من الشرق.

وينسب إلى المستعرب الروسي اغناطيوس كراتشكوفسكي اجتراحه مصطلح أو مفهوم «الاستعراب»، وهو ليس بديلاً، بالضرورة، للاستشراق، لكنه قد يكون توجهاً لتأسيس فرع، أو حتى عِلم مستقل يعنى بدراسة اللغة والثقافة العربيتين وأحوال البلدان العربية.

وتنقل فاطمة عبد الفتاح عن هذا المستعرب قوله إن العصر الجديد لما وصفه بـ«الاستعراب الروسي» بدأ في بداية القرن التاسع عشر، وبالضبط في العام 1804، عندما صدر مرسوم بإدخال تدريس اللغات الشرقية في المناهج التدريسية، واللغات الشرقية، بالنسبة للروس يومها، كانت لغات الشرق الإسلامي، واللغة العربية في مقدمتها، بطبيعة الحال، كونها لغة القرآن الكريم.

* د. حسن مدن كاتب صحفي من البحرين

المصدر | الخليج