الجمعة 11 يونيو 2021 05:30 ص

وما زالت الكتابة تدهشني

الكتابة سرّ لا يمكن الإحاطة بكنهه كاملاً مهما دأبت المحاولات بل يبدو الأمر أشبه ما يكون بالسباحة في بئر نزولا وصعودا.

سنبقى نكتب إذاً لا لأنّنا نعرف ما يمكن أن تؤدّي إليه الكتابة ولا لأنّنا نعرفها تماما لكن لأنّنا نحبها ونحبّ ما تقدّمه لنا من حلول ولو على سبيل الأمنيات المعلقة.

ألسنا قادرين على التعاطي مع الكتابة باعتبارها معنى غامض يبقى حياً ما دمنا أحياء ولن يخبو أبداً باعتباره أحد متكآت الذاكرة الإنسانية منذ بدأ تاريخنا على الأرض؟

*     *     *

الكتابة .. السرّ الذي لا يمكن الإحاطة بكنهه كاملاً، مهما كانت المحاولات الدؤوبة. بالنسبة إليّ، على الأقل يبدو الأمر أشبه ما يكون بالسباحة في بئر نزولاً وصعوداً.

لكنّ محاولاتي مستمرّة لحسن الحظ، ليس لأنّ ذلك من المهم فعلاً، بل لأنّ تلك المحاولات غالباً ما تكون زاداً للكتابة نفسها أو وقوداً لي، كي أستمرّ في الكتابة. عملية تبادلية مهمة وضرورية على سبيل تجديد الشغف وتطوير الممارسة وتحسين اللياقة.

كلّما شعرتُ بفراغ ذاتي لحظة الجلوس قبالة لوحة المفاتيح للكتابة، داهمتني أفكاري القديمة عن فكرة الكتابة ذاتها. أنا متخمةٌ بالأفكار التي يزاحم بعضها بعضاً لحظة الكتابة، ما يشعرني أحياناً بالفراغ.

يا لها من مفارقة غريبة أن تشعر بزحام الأفكار داخل رأسك، وأن تشعر باليباس أيضاً. أن تكون ممتلئاً وفارغاً في اللحظة ذاتها، وأن تتكوّر على نفسك، بحثاً عمّا يمكن أن تكتبه وعمّا يمكن أن يخلّصك من أفكارك الكثيرة، التي تحاول الخروج من داخلك عبر الكلمات.

هذا شعور يرافقني دائماً، ويتكثّف كلما كنت في خضم قراءاتٍ جديدة للكتب وللمشاهد وللناس والعلاقات، وكلّ ما يمكن أن أراه وأشعر به حولي.

أخيراً، أجدني منغمسة في المراقبة والرصد؛ بشراً وعلاقات وأفكاراً وحروباً صغيرة وكبيرة، ومواقف تتبدّل سريعاً، وأغنيات لم أعد أفهمها، وأنماط معيشة أجدني عاجزةً عن عيشها وفقاً لمقترحات الآخرين الذين يسيطرون على أنماط العيش في هذه الحياة حولي، وكتباً يعجبني بعضها، ويستفزني بعضها الآخر، فأستمر في القراءة!

ولغات في إطار اللغة العربية التي أجيدها لكنًها، أي تلك اللغات التي يتحدّثها، ويكتبها كثيرون حولي، تبدو لي غريبةً في مفرداتها ومصطلحاتها وتركيباتها، وما تؤول إليه من فهم ونتائج تشعرك بالغربة في لغتك، وعنها أيضاً شعراً ونثراً...

ومع هذا، وفي الوقت والظرف نفسيهما، أجدني عاجزةً عن اللحاق بأيّ فكرةٍ عن هذا كله لأدونها. وهو ما يجعلني أديم التفكير مجدّداً بفكرتي الكتابة والتدوين والفرق بينهما... وتلك حكاية أخرى.

في رحلة المراقبة والرصد، وهي عفوية مفاجئة، لا يعرف المرء متى تبدأ ومتى تنتهي. وأحياناً لا يعرف أنّه يعيشها أصلاً، إلّا بعد أن تمضي، تكتشف أنّ الكتابة لا تختلف كثيراً عن الحياة نفسها، حتى لمن لا يحب الكتابة أو لا يجيدها، وحتى لمن لم يعد يعرف لماذا هو منغمسٌ فيها وكأنّها خلاصه الإنساني من كلّ ما يواجه في الحياة من مشكلات.

وفي نهاية النفق، يجدها وقد تحولت إلى ما يشبه الموت أيضاً، وتلك مفارقةٌ أخرى، تصبّ في المعنى الأول والأخير نفسه. فلا شيء ثابتاً، في التعريف بها بوصفها مصطلحاً، وهذا ما لا ينبغي أن يُشعر الكتّاب ولا القرّاء بالقلق أو الحيرة.

هو نوعٌ من الجمال الخالص والمدهش، والذي لا ينبغي إدراكه بما نملك من حواسّ خاضعة لمدركات العقل في مستوياته الأولى.

سنبقى نكتب إذاً، ليس لأنّنا نعرف ما يمكن أن تؤدّي إليه الكتابة، وليس لأنّنا نعرفها تماماً. ولكن على الأقل، لأنّنا نحبها ونحبّ ما تقدّمه لنا من حلول، ولو على سبيل الأمنيات المعلقة. أليس في ذلك معنى فلسفي للحياة نفسها؟

ألسنا قادرين، كتّاباً وقراء، وبشراً آخرين، على التعاطي معها باعتبارها ذلك المعنى الغامض الذي يبقى حياً ما دمنا أحياء، ولن يخبو أبداً باعتباره على الأقل أحد متكآت الذاكرة الإنسانية منذ بدأ تاريخنا على هذه الأرض؟ هذا يكفي على الأقل لنستمر في الكتابة وفي القراءة، أو حتى في المقاربة والرصد... لعلّنا نصل في النهاية.

* سعدية مفرح كاتبة وصحفية وشاعرة كويتية.

المصدر | العربي الجديد