الجمعة 18 يونيو 2021 09:26 ص

إيران.. بين المفاوضات والانتخابات

مسار المفاوضات  كشف عن تعمد أمريكي للمماطلة وربما أيضاً عن قدر إيراني من المماطلة أيضاً.

انتخابات الرئاسة الثالثة عشرة ستكون علامة فارقة في تحديد ليس مسار تطور مفاوضات فيينا فقط بل مسار ومعالم العلاقات الإيرانية – الأمريكية.

ستجد الإدارة الأمريكية نفسها مضطرة لإعادة تقييم موقفها من مفاوضات فيينا الآخذ بخيار المماطلة لحين مجيء رئاسة جديدة هل كان تقييماً صحيحاً أم خاطئاً؟

ما هي المكاسب المحتملة لمثل تلك العودة السريعة للطرفين الأمريكي والإيراني للاتفاق النووي وانعكاساتها على مجرى الصراع بين البلدين؟  

هل كان الأفضل التريث لحين إجراء انتخابات الرئاسة بإيران ومعرفة الرئيس الجديد ورؤاه السياسية؟ هل سيكون التفاهم معه حول العودة الأمريكية للاتفاق النووي مفيداً؟

*     *     *

منذ أن قرر الرئيس الأمريكى، جو بايدن، الشروع في العودة الأمريكية إلى الاتفاق النووي الموقع مع إيران عام 2015 من جانب القوى الدولية الكبرى، والذي انسحبت منه إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب، عام 2018، كان اهتمام الخبراء الأمريكيين متركزاً على الوقت الأنسب للتفاوض مع إيران حول تلك العودة الأمريكية:

هل البدء مباشرة بالتفاوض والبحث في الشروط الأمريكية والإيرانية لتلك العودة، وما هي المكاسب المحتملة لمثل تلك العودة السريعة للطرفين، الأمريكي والإيراني، وانعكاساتها على مجرى الصراع بين البلدين، أم التريث لعدة أشهر لحين إجراء الانتخابات الرئاسية والتعرف إلى نوعية من سيتولى الرئاسة في إيران ومجمل رؤاه السياسية، وهل سيكون التوصل مع هذا الرئيس لتفاهم حول العودة الأمريكية للاتفاق النووي مفيداً؟

الإجابة كانت غامضة عن السؤالين، فإنجاز اتفاق مع حكومة إيرانية معتدلة ممثلة في الرئيس حسن روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف، يمكن أن يكون أيسر من  الانتظار لمرحلة ما بعد الانتخابات، إذ ربما يأتي رئيس متشدد أقل ميلاً للالتزام بالاتفاق النووي وأكثر انحيازاً للمضي قدماً بالبرنامج النووي إلى مرحلة امتلاك القنبلة النووية، أو على الأقل امتلاك القدرة الكاملة على تصنيعها.

لكن هذا الرأي كان له من يعارضه، ويقول إن التوصل إلى اتفاق نهائي مع حكومة روحاني والوزير ظريف، ربما يكون حافزاً شعبياً لاختيار رئيس إصلاحي معتدل وغير متشدد.

ويبدو أن إدارة بايدن أرادت أن تجمع بين الخيارين، لكنها كانت أميل إلى الأخذ بخيار التريث والانتظار حتى تتضح معالم النخبة الحاكمة الجديدة، هل هي من الإصلاحيين، أم من المتشددين . فمسار المفاوضات  كشف عن تعمد أمريكي للمماطلة، وربما أيضاً عن قدر إيراني من المماطلة أيضاً.

الأمريكيون ماطلوا كي يتعرفوا أولاً إلى الجهة التي ستتولى تنفيذ اتفاق العودة الأمريكية إلى الاتفاق والالتزام بشروطها، هل هي رئاسة إصلاحية معتدلة، أم هي رئاسة أصولية متشددة؟ وإذا كانت رئاسة أصولية متشددة فإلى أي حد ستكون مستعدة للالتزام باتفاق العودة الأمريكية؟

على الجانب الآخر، الإيراني، ظهرت تلميحات ترجح انحياز المرشد الأعلى علي خامنئي لخيار المماطلة في المفاوضات، وإرجاء التوصل إلى اتفاق مع الأمريكيين لحين مجيء رئيس أصولي يوظف إنهاء العقوبات لمصلحة حكومته لمعالجة الأزمة الاقتصادية المتفاقمة في البلاد بسبب تلك العقوبات.

والتي أضحت أحد محددات الخيار الشعبي وأولوياته، ليس في التصويت لأي من المرشحين فقط، بل وفي الأساس التوجه إلى صناديق الاقتراع من عدمه، بسبب وجود تأكيدات بوجود فتور شعبي كبير، وتراجع الحماس للذهاب إلى المشاركة في الانتخابات.

سواء بسبب اليأس من إمكانية وجود حلول للأزمة الاقتصادية وانعكاساتها المعيشية الصعبة، أو بسبب المقصلة التي قام بها مجلس صيانة الدستور وأبعدت رموزاً سياسية كانت مشاركتها في تلك الانتخابات ستحفز من حماس الإيرانيين للمشاركة، خاصة أسماء كبيرة الوزن مثل الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد، وإسحق جهانجيري النائب الحالي للرئيس روحاني، وعلي لاريجاني رئيس مجلس الشورى السابق.

وأبقى اثنين فقط من المرشحين الإصلاحيين من ذوى المنافسة المحدودة في الانتخابات، هم عبدالناصر همتي رئيس البنك المركزي، ومحسن مهر علي رئيس منظمة الرياضة في عهد الرئيس الأسبق محمد خاتمي، في مواجهة خمسة من المرشحين الأصوليين الكبار أبرزهم إبراهيم رئيسي المرشح السابق للرئاسة أمام الرئيس روحاني عام 2017 والجنرال محسن رضائي المرشح السابق للرئاسة مرتين سابقتين، والقائد الأسبق للحرس الثوري، وسعيد جليلي ممثل المرشد الأعلى في مجلس الأمن القومي، وأمير حسين قاضي زادة هاشمي نائب رئيس مجلس الشورى.

الخريطة الانتخابية هذه تكشف عن عدم توازن في أوراق المرشحين، فمن بقي من الإصلاحيين ليست له القدرة على المنافسة القوية، ما يعنى أن مرشحاً أصولياً سيكون الأكثر حظوة للفوز في هذه الانتخابات، والترجيحات تتجه نحو إبراهيم رئيسي أو سعيد جليلي.

لكن التحدي الأهم الذي يواجه النظام الإيراني، وعلى الأخص المرشد، هو عزوف الإيرانيين وفتورهم عن المشاركة في الانتخابات، لأن هذه المشاركة ينظر إليها، في الداخل والخارج على السواء، على أنها بمثابة استفتاء بالسلب أو بالإيجاب على شرعية النظام.

لذلك شدد المرشد الأعلى في خطابه الذي ألقاه في ذكرى وفاة الخميني على مركزية المشاركة في الانتخابات، وضرورتها لانتخاب سلطة تكون قادرة على حل الأزمات.

ما سوف تسفر عنه انتخابات الرئاسة الثالثة عشرة التي تجري، اليوم الجمعة، ستكون بمثابة علامة فارقة في تحديد ليس مسار تطور مفاوضات فيينا فقط، بل مسار ومعالم العلاقات الإيرانية - الأمريكية، وعندها ستجد الإدارة الأمريكية نفسها مضطرة لإعادة تقييم موقفها من مفاوضات فيينا الآخذ بخيار الممالطة لحين مجيء رئاسة جديدة، هل كان تقييماً صحيحاً أم خاطئاً؟

* د. محمد السعيد إدريس باحث بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام

المصدر | الخليج