الاثنين 12 يوليو 2021 06:52 م

الغرب والحرب

نطاق الحروب اتّسع ووتائرُها اطَّردت في المئتيْ عامٍ الأخيرة أكثر من أيّ فترةٍ أخرى سابقة في التّاريخ.

اتّساع نطاق الحروب بالعالم تَسَاوَقَ مع اتّساعِ المصالح الاقتصاديّة والاستراتيجيّة للدّول فبات الحفاظُ عليها أو تعظيمُها وقْفاً على شنّ الحروب.

حروب العالم المعاصر أشرسُ وأهْوَلُ في الدّمار وأوْسع في فناء مَن تقع عليهم من البشر لأنّها باتت محمولة على مكتَشفاتٍ حديثة دخلت في تجهيز أدوات الفتك.

جميعُ حروب الغرب بغيرِ استثناء حروبٌ على مصالح: مناطق نفوذ، مصادر طاقة، ساحات تأثير جيوستراتيجيّة جَرَت التّغطيةُ عليها لإخفاء جشع الرّأسمال وقواه.

الحاجة للحروب ولتعظيم الجيوش أدت لنتيجتين: نشوء اقتصادٍ حربيّ وتَعزُّز مكانته ضمن منظومة اقتصاديّة إجماليّة؛ ورسوخ النّخب العسكريّة والاستخباريّة والأمنيّة.

*     *     *

ما من جديدٍ يضيفه المرء حين يلاحظ ظواهر أربعة، متداخلة ومكثَّفة، في ميدان الصّراعات بين الدّول والأمم، في العالم المعاصر، مع ما باتت تحتلّه الحرب واللّجوءُ إليها من مكانة مركزيّة في تلك الصّراعات.

أُولى تلك الظّواهر أنّ نطاق الحروب اتّسع ووتائرُها اطَّردت في المئتيْ عامٍ الأخيرة أكثر من أيّ فترةٍ أخرى سابقة في التّاريخ، حتّى أنّه لم يَخْلُ عقْدٌ من عقود القرنين الماضيين من حربٍ اندلعتْ هنا أو هناك، وأحياناً كانتِ الحرب تفرِّخ أخرى ما أنْ تندلعَ وتتّسع.

ثانيها أنّ حروب العالم المعاصر أشرسُ في الحدّة، وأهْوَلُ في الدّمار، وأوْسع في فناء مَن تقع عليهم من البشر؛ لأنّها باتت محمولة على مكتَشفاتٍ حديثة دخلت في تجهيز أدوات الفتك (من السّلاح النّاريّ إلى السّلاح النّوويّ والجرثوميّ)، فارتفع بذلك معدّل القوّة النّاريّة والتّدميريّة عمّا كانه في تاريخ الحروب السّابقة جميعِها.

ثالثها أنّ اتّساع نطاق الحروب في العالم تَسَاوَقَ واتّساعِ مجال المصالح الاقتصاديّة والاستراتيجيّة للدّول، فبات الحفاظُ على الأخيرة أو تعظيمُها وقْفاً على شنّ الحروب أو على الأقلّ، على حيازة القدرات العسكريّة الكفيلة بالاستخدام لتحصيل الأهداف تلك. وهكذا كلّما أُحْرِز التّقدّم في ميدان تكوين المصالح وتوسيعها زادت بالتّبِعة، الحاجةُ إلى الأسلحة والأساطيل والحروب.

رابعُها أنّ الحروب والحاجة إليها وإلى تعظيم الجيوش أفْضت إلى نتيجتين متلازمتين: إلى نشوء اقتصادٍ حربيّ وتَعزُّز مكانته ضمن المنظومة الاقتصاديّة الإجماليّة؛ وإلى رسوخ موقع النّخب العسكريّة والاستخباريّة والأمنيّة وأجهزتها داخل الدّولة (وأحياناً، داخل نظام الحكم القائم)، وصيرورة مواقفها وتقديراتها توجيهاتٍ رسميّة ذات تأثيرات بالغة في صناعة القرار وفي تقرير السّياسات العليا للدّول.

والحقُّ أنّ حروب الغرب فاقت، في أهوالها والخُطوب، غيرَها السّابق من حروب بعد إذْ تهيَّأت لقوّتها وفداحتها الأسبابُ من ثرواتٍ ماديّةٍ وصناعةٍ وتِقانةٍ واقتصادٍ عسكريّ، وبعد أنِ اتّسع الفارق في الموارد والقدرات بينه وسائِر بلدان المسكونة ودُوَلها.

والحربُ في حالة الغرب ترتدّ سيرتُها إلى أسبابٍ وعواملَ ثلاثة يَأْزُرُ بعضُها بعضاً وتشترك في تبريرها وفي توقيدها في الوقت عينِه:

أوّلها الصّراع على المصالح– وقد بَلَغَ ذروته في الطّور الإمبريالي من التطوّر الرّأسماليّ- والجنوحُ للدّفاع عنها أو تحصيلها لاستخدام الجيوش والقوّة الحربيّة.

كانت الحروب الاستعماريّة لإخضاع بلدان الجنوب الحلقةَ الأولى في ذلك المسار الطّويل. غير أنّ الصّراع على النّفوذ والمصالح ما لبث أن انتقل، نقْلةً انعطافيّة، ليُنتج أضخم حربين عالميّتين في التّاريخ، في النّصف الأوّل من القرن العشرين.

غير أن حروب الغرب الإمبريالية لم تتوقف؛ إذْ لم تلبث أنِ استُؤنفت ضدّ فييتنام وكوريا، بدعوى صدّ الخطر الشّيوعيّ، وضدّ العراق– بدعوى تدمير «أسلحة الدّمار الشّامل»– وضدّ أفغانستان، بدعوى تصفية قواعد الإرهاب ومنظّمته (القاعدة) وحاضنته السّياسيّة (نظام طالبان)... إلخ.

وهي، جميعُها من غيرِ استثناء، حروبٌ على مصالح: مناطق نفوذ، مصادر طاقة، ساحات تأثير جيوستراتيجيّة... جَرَت التّغطيةُ عليها لإخفاء جشع الرّأسمال وقواه.

ثانيها الأرباحُ الخرافيّة النّاجمة من الصّناعات العسكريّة التي لا يمكن أن يَستقيم لها وجودٌ ومبرِّر، ولا أن تتعاظم حجْماً، إلاّ متى وَقَع طلبٌ عليها وعلى منتوجها من الأسلحة.

والطّلب هذا لا يكون إلاّ متى اندلعتْ حروب، أو دُفِعَ بأطراف أزمةٍ مّا إلى خوضها. لهذا كانت هندسةُ حروب الآخرين، أو إقدام الغرب على شنّ حروب، بدعاوى «نظيفة» جزءاً لا يتجزّأ من نظام اشتغال الاقتصاد الحربيّ وصناعته العسكريّة.

وكم من علاقاتٍ إقليميّة في العالم وقَع إفسادُها وتوتيرُها؛ وكم من أزمةٍ في العالم قُطِع الطّريق على حلّها بالطّرق السّلميّة، من أجل أن تندفع الأمور نحو المواجهة أو، على الأقلّ، من أجل أن تجد الصّناعات العسكريّة أسواقاً لتصريف أسلحتها!

ثالثها، وهو الأساس التّحتيّ، تشبُّع الوعي الجمْعيّ الغربيّ– ووعي النّخب السّياسيّة خاصّةً– بفكرة القوّة التي لا تَني تتحوّل مع الزّمن إلى عقيدةٍ راسخة موجّهة للتّفكير وللسّياسات والممارسات.

وإذا كانتِ القوّة معطًى تاريخيّاً تَأَتّى بالفتوحات الاقتصاديّة والعلميّة للغرب، فمشكلتُها في اقترانها بمنزِع إلى السّيطرة والهيمنة على قاعدةِ وهْمٍ بحيازة الغرب حقّاً مطلقاً في حُكم العالم، وفي فرض قوانينه ومعاييره بوصفها، وحدها، الصّالحة والناجعة والمرجعيّة!

لذلك ما تورَّع، يوماً، في استخدام القوّة العمياء ضدّ من يرفضون الانصياع لإرادته، معيداً من جديد، إنتاج تلك العلاقة الشائنة وغير الإنسانيّة في التّاريخ: علاقة السّيد بالعبد؛ التي هي، بالتّعريف، علاقةُ القوّة.

لا يمكنُ المرءَ أن يَصْرف النّظر عن التّجلّيات غير الأخلاقيّة لعقيدة القوّة إلاّ إذا كان على يقينٍ بأنّ حروب الغرب مشروعة... وعادلة. من يعتقد ذلك–على نحو اعتقاد الغرب به–لا يفعل سوى أنّه يستعير أخلاق العبد وسيكولوجيّته!

* د. عبد الإله بلقزيز كاتب وأكاديمي مغربي

المصدر | الخليج