الاثنين 19 يوليو 2021 10:00 ص

عقدان من الحرب على الإرهاب

هل تعتبر البشرية من تجاربها أم يستمر كل جيل يكرر ذات الأخطاء متناسياً الماضي الذي صنعه من قبلهم؟

بعد عقديم من الحروب والحروب الضمنية التي أفرزتها أحداث 11 سبتمبر 2001 نعود للمربع الأول أو قريباً منه، ويستمر عداد الضحايا والأزمات.

لم تترك الحملة الأمريكية ركناً على وجه البسيطة إلا وانتشرت فيه قوات أمريكية بحثا عن هدف لكن بعد عقدين من هذه الحرب: هل نجحت في تحقيق أهدافها؟

بُرّر احتلال أفغانستان باحتضانها للقاعدة واحتلال العراق لدعمه المفترض للقاعدة وحيازة أسلحة دمار خيالية وعقوبات على السودان لرعايتها سابقا قيادات القاعدة.

رغم تشكيل تحالف دولي جديد ضد تنظيم الدولة إلا أن مجموعات محسوبة على هذا التنظيم والقاعدة تستعيد نشاطها وسط أفريقيا وغربها وتستعد لمواجهة جديدة.

*     *     *

في السادس عشر من سبتمبر 2001 وفي خطاب له بعد أيام قليلة من استهداف برجي التجارة العالميين استخدم الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن مصطلح "الحرب على الإرهاب" واصفاً الرد الأمريكي المرتقب على الهجمات، تبع ذلك احتلال دولتين وعمليات عسكرية عبر العالم استهدفت كل من قررت الإدارة الأمريكية حينها أنه يقف خلف الأحداث أو يمثل نسخة أخرى للفاعلين.

جاء احتلال أفغانستان مبرراً باحتضانها للقاعدة، واحتلال العراق لدعمها المفترض لشبكة القاعدة وحيازتها أسلحة الدمار الخيالية، والعقوبات على السودان لرعايتها السابقة لقيادات القاعدة وهكذا، لم تترك هذه الحملة ركناً على وجه البسيطة إلا وانتشرت فيه القوات الأمريكية تبحث عن هدف، ولكن بعد قرابة العقدين من هذه الحرب، هل نجحت في تحقيق أهدافها؟.

الهدف الأساسي كان النيل من مدبري أحداث 11 سبتمبر 2001، وحددت الإدارة الأمريكية قائمة جاء على رأسها أسامة بن لادن زعيم القاعدة وخالد شيخ محمد ورمزي بن الشيبة وغيرهم باعتبارهم قيادات التنظيم، في نهاية المطاف تمكنت الولايات المتحدة من اغتيال بن لادن واعتقال خالد شيخ محمد وآخرين، بينما اختفى البعض الآخر أو استمر حتى وفاته بظروف أخرى.

ورغم إعلان الولايات المتحدة الانتصار أكثر من مرة في الحرب على الإرهاب إلا أن الوصول إلى هؤلاء الأشخاص لم ينتج عنه انهيار تلقائي لشبكة القاعدة بل على العكس، أعاد التنظيم تمركزه أكثر من مرة وأفرز عشرات التنظيمات الرديفة والموازية وعلى رأسها تنظيم الدولة الذي أصبح تهديداً أكبر لردهة من الزمن عبر إعلانه دولة إسلامية في بقعة جغرافية واسعة تمتد بين سوريا والعراق.

صحيح أن هجمات سبتمبر كانت الأخيرة على التراب الأمريكي ولكن عدد الهجمات عالمياً زاد بشكل كبير وخاصة في أوروبا، اليوم ورغم تشكيل تحالف دولي جديد ضد تنظيم الدولة إلا أن حركات ومجموعات محسوبة على هذا التنظيم وعلى القاعدة تستعيد نشاطها في وسط أفريقيا وغربها وتستعد لمواجهة جديدة لا يعرف حجمها بعد.

العراق، ضحية الحرب على الإرهاب الأغرب والتي سقطت نتيجة حلم الصبي في استكمال مجد أبيه، مر بصراعات متعاقبة، من الاحتلال الأمريكي والمقاومة له، مروراً ببسط النفوذ الإيراني وجرائم الميليشيات، وسطوع وأفول نجم تنظيم الدولة، وأخيراً عودة الصراع على النفوذ الإيراني.

رغم التفاؤل الذي ساد السنوات الأخيرة بانتهاء عهد الاغتيالات والفوضى الأمنية، تعود اليوم هذه الظواهر في ظل محاولة إيران تثبيت سيطرتها على النظام الحاكم ورغبتها في التصعيد التفاوضي مع واشنطن.

هذه الأخيرة كانت سحبت معظم قواتها حتى جاءت الثورة السورية فعادت القوات هناك وها هي يتم خفضها مرة أخرى ويبقى النفوذ الأمريكي في العراق هشاً، وكان لافتاً أن يتزامن مع ذلك عودة الهجمات على القواعد الأمريكية ما يعيد إلى الأذهان فترة نشاط المقاومة العراقية إبان الاحتلال.

أما أفغانستان فها هي القوات الأمريكية تكمل انسحابها بعد عقدين من الدمار والهجمات بطائرات بطيارين وبدونهم، والمشهد يرسم صورة أقرب إلى ما قبل الاحتلال، تسقط المقاطعة بعد الأخرى بيد مسلحي حركة طالبان، وتنسحب القوات الأمريكية غير آبهة لذلك بشكل جدي، ورغم استمرار المفاوضات في الدوحة إلا أن الصورة ميدانياً تشير بوضوح إلى أن مرحلة ما بعد الانسحاب الأمريكي ستكون مشابهة لما قبل الاحتلال بشكل كبير، رحل الأمريكان وبقت طالبان، ولازالت القاعدة موجودة هناك، حتى في مهد هجمات سبتمبر لم يتغير الوضع كثيراً سوى المزيد من الدمار والضحايا.

في قاعة التدريس أصبت بصدمة لحظية حين انتبهت أن طلابي الذين استهلوا مشوارهم الجامعي في العام الدراسي المنصرم ولدوا بعد أحداث سبتمبر، تلك الأحداث التي تبدو لجيلنا قريبة وعنواناً لكل ما تلاها أضحت اليوم شيئاً من التاريخ، ويضعف شيئاً وشيئاً الرابط بينها وبين الأحداث الراهنة.

وبعد كل هذه الأعوام من الحروب والحروب الضمنية التي أفرزتها أحداث 11 سبتمبر 2001 نعود للمربع الأول أو قريباً منه، ويستمر عداد الضحايا والأزمات.

عشرون عاماً مضت كالحلم على بعضنا وككابوس مرعب على من وجدوا أنفسهم في عين العاصفة، فهل تعتبر البشرية من تجاربها أم يستمر كل جيل يكرر ذات الأخطاء متناسياً الماضي الذي صنعه من قبلهم؟

* د. ماجد محمد الأنصاري أستاذ الاجتماع السياسي المساعد بجامعة قطر

المصدر | الشرق