الأربعاء 21 يوليو 2021 11:48 ص

«وأنَّ هذه أمتُكم أمةٌ واحدة»

الحل الوحيد لأزماتنا الخانقة مشروع وحدوي عربي ينتفض على «سايكس بيكو» ويعيد الأمة إلى سابق عهدها

لماذا نجد عندها مدينة عربية تغرق في الفقر والجوع، بينما يُلقي آخرون بالطعام مما لذ وطاب في مقالب النفايات..

الحلول التي تطرحها الحكومات العربية لأزمات بلدانها ليست سوى مسكنات آلام أو محاولات للخديعة، وترحيل المشاكل إلى أجيال قادمة.

المطلوب مشروع وحدوي عربي ينتفض على سايكس بيكو ويعيد الأمة إلى نصابها الطبيعي وسابق عهدها وهذا هو الحل الوحيد لأزماتنا الخانقة.

الحل الجذري الوحيد لأزماتنا العودة إلى كوننا أمة واحدة وبلاد واحدة عندها لن تجد مدينة عربية تنام في ظلام بينما تُسرف مدن أخرى في إنارة شوارعها الخارجية وسط الصحراء.

*     *     *

في العالم العربي تتفاقم الأزمات سريعاً، وتغرق بلادنا واحدة تلو الأخرى في المشاكل، ويحتارُ الإنسان العربي في تبرير وتفسير هذه الأزمات، كما يحتارون في اقتراح الحلول لها، في ما يبدو أن المنحدر الذي تسير إليه المنطقة العربية لا يمكن تجنبه ولا حل له، ولا توجد توقعات سوى بمزيد من الأزمات، ومستقبل أسوأ مما يعيشُ الناس اليوم.

الحلول التي يتداولها صانعو القرار في عالمنا العربي للأزمات التي تعيشها شعوبنا، ليست في حقيقة الأمر سوى وصفات تخدير، أو مسكنات آلام ليس أكثر، وليست علاجات جذرية للمشاكل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تعصف بالعالم العربي.

ولو تيسرت لدولنا مراكز دراسات محترمة، ومفكرون أحرار لخلصوا إلى نتيجة مفادها أن كل دولة عربية، منذ تأسست أو استقلت، فإنها تعاني من أزمات داخلية متلاحقة، خاصة في المجال الاقتصادي، ما يعني أن الوضع المعيشي للسكان في منطقتنا العربية يتدهور بصورة مستمرة منذ نشأت دولنا الحديثة.

هذه الأزمات المتلاحقة كلها سببها أن ثمة حقيقة بالغة الأهمية لا يرغب أحد في بلادنا العربية أن يعترف بها، وهو أن الخطوط التي تم رسمها في اتفاقية «سايكس بيكو» عام 1916 والتي انتهت إلى تأسيس أغلب دولنا العربية الحديثة، لم تكن خطوطاً موفقة، بل إنها كانت جزءاً من مشروع لإغراق منطقتنا العربية بالأزمات.

ونحن اليوم في عام 2021 ما زلنا ندفع ثمن هذا التقسيم، وفاتورة تلك الخريطة التي تم رسمها بشكل مشبوه وضمن مؤامرة لتفتيت أمتنا الواحدة.

الحقيقة أن الأزمات الاقتصادية وأزمات الوقود والكهرباء والمياه، وضعف الخدمات، وسوء الأحوال المعيشية والسياسية، وكل ما نعانيه من استبداد وقمع في عالمنا العربي من محيطه إلى خليجه.

كل هذا ليس له علاج جذري سوى في العودة إلى فكرة أننا أمة واحدة، وأن تفتيتنا لا يمكن إلا أن يؤدي إلى خلق مشاكل عميقة، وتباينات طبقية واقتصادية وسوء توزيع للموارد والثروات، وهو ما نعيشه اليوم ونشهده في أغلب دولنا العربية.

في العالم العربي اليوم لدينا ثلاث عواصم غارقة في الظلام، بسبب أزمة كهرباء ليس لها مثيل في العالم بأكمله، وفي المقابل فإن ثلاث دول عربية أخرى تنام على أكبر احتياطات للنفط في العالم، وتنتج أكثر من ثُلث إنتاج الكون من الذهب الأسود الذي يسهل تحويله إلى كهرباء وإلى مختلف أنواع الطاقة المفيدة.

أزمات الكهرباء والتباين الطبقي والاقتصادي، ليست سوى أمثلة ونماذج على مشاكل ظهرت بفعل التفتيت والانقسامات الجغرافية التي يعيشها عالمنا العربي، بينما هذه المنطقة في الأساس ليست سوى دولة واحدة وأمة واحدة.

وقد ظلت كذلك لمئات السنين، وحتى بدايات القرن العشرين، عندما انهارت الامبراطورية العثمانية، وانتهت منطقتنا إلى مجموعة من الدويلات الصغيرة والضعيفة، التي تتناحر في ما بينها بين الحين والآخر..

وهذه المنطقة الواحدة هي التي نزلت فيها الآية القرآنية الكريمة: «وأنَّ هذه أمتُكم أمةٌ واحدة، وأنا ربُكم فاعبدون». في العالم العربي لا يُمكن لأي دولة حل أزماتها بمعزل عن جيرانها وأشقائها العرب، ولا يمكن لحالة التقسيم والتفتيت إلا أن تنتج مزيداً من الأزمات والمشاكل، فأزمة الكهرباء والوقود في لبنان لها علاقة مباشرة بالأوضاع في الجارة سوريا.

كما أن الأزمة الاقتصادية في الأردن ترتبط بشكل وثيق بقطع التمويل والمساعدات والمنح المالية التي تأتي من دول الخليج، كما أن الأزمة المائية في مصر ترتبط بعلاقات القاهرة الدولية، وكذا الحال في كل العالم العربي الذي هو أمة واحدة، وبلد واحد لكنَّ حدوداً سياسية تستفيد منها الطبقات الحاكمة دون غيرها، هي التي تستفيد من هذا التقطيع الجغرافي وهي التي تستفيد من تأليب الشعوب على بعضها بعضاً، وتبث فيها روح الخلافات والفرقة.

والخلاصة أن الحلول التي تطرحها الحكومات العربية لأزمات بلدانها ليست سوى مسكنات آلام أو محاولات للخديعة، وترحيل المشاكل إلى أجيال قادمة، أما الحل الجذري الوحيد لأزماتنا فهو العودة إلى كوننا أمة واحدة وبلد واحد.

عندها لن تجد مدينة عربية تنام في ظلام، بينما تُسرف مدن أخرى في إنارة شوارعها الخارجية في وسط الصحراء، كما لن تجد عندها مدينة عربية تغرق في الفقر والجوع، بينما يُلقي آخرون بالطعام مما لذ وطاب في مقالب النفايات..

المطلوب هو مشروع وحدوي عربي ينتفض على «سايكس بيكو» ويعيد الأمة إلى نصابها الطبيعي، وإلى سابق عهدها، وهذا هو الحل الوحيد لأزماتنا الخانقة.

* محمد عايش كاتب صحفي فلسطيني

المصدر | القدس العربي