الاثنين 26 يوليو 2021 11:32 ص

الحرية على القياس الفرنسي

قانون محاربة الانفصالية الجديد يطلق يد الدولة في محاربة حرية التعبير وحق إقامة الشعائر الدينية متى وجددت ذلك يعزز "الانفصالية الإسلامية".

الديموقراطية ليست ضمانةً ضد التطرف والعنصرية الضمانة تكمن في الإيمان الصادق بمنظومة قيم حقيقية تكفل كرامة الإنسان وحقه ضعيفا أو قويا.

المعركة مع الإسلام بفرنسا فرع من عداء أوروبي متنامي للمهاجرين مما عزز حظوظ اليمين المتطرف وأظهر حركات تفوق العرق الأبيض والنازية الجديدة.

لم يكتف الفرنسيون بالتضييق على المسلمين بل أقاموا مجلس الديانة الإسلامية لفرض صورة تجرد الإسلام من خصوصيته ليتماهى مع قيم الليبرالية الغربية!

قيم الإنسانية تجسدت بهدي النبوة حين نقل محمد صلى الله عليه وسلم الخيرية من النسب للتقوى والكفاءة في سيرته ووصيته بالخطبة التي استفزت أدعياء الحرية بفرنسا "كلكم لآدم وآدم من تراب".

*     *     *

بطلب من وزير الداخلية الفرنسي أقيل إمام مسجد سانت شوماند في مقاطعة لوار إثر نشر عضوة المجلس البلدي هناك مقطعاً للإمام في خطبة عيد الأضحى ينقل فيها جزءاً من خطبة الوداع للنبي صلى الله عليه وسلم، الوزير الفرنسي اتهم الإمام بأنه يخطب بما يخالف قيم الجمهورية حول المرأة وطلب عدم تجديد إقامته وإغلاق المسجد في حال تكرر الأمر.

الوزير في معرض حديثه كان يؤكد على ضرورة الاستفادة من قانون محاربة الانفصالية الجديد والذي أقرته الجمعية الوطنية الفرنسية قبل يوم واحد من قرار إقالة الإمام والذي يطلق يد الدولة في محاربة حرية التعبير وحق إقامة الشعائر الدينية متى وجددت ذلك يعزز "الانفصالية الإسلامية"، علماً بأن هذا الإمام كان الثاني الذي يقال بنفس الأسلوب خلال الفترة الأخيرة.

معركة النظام العلماني الفرنسي مع الإسلام ليست جديدة، فرنسا شرعت منذ عهد شيراك وحتى اليوم في تطبيق العديد من الإجراءات للحد من المظاهر الإسلامية، كان من ضمنها منع النقاب والحجاب في المباني العامة ومأسسة الديانة الإسلامية والتضييق على حرية التعبير للمسلمين وحدهم.

فبينما ترتكز السردية الرسمية حول حماية مبادئ الجمهورية ومنع الرموز الدينية بشكل عام يأتي التطبيق ليستهدف المسلمين بشكل خاص، فاليهود الأورثدوكس مثلاً أكثر تمسكاً بإظهار لباسهم الديني والخطاب المتطرف ضد المرأة في كنسهم ولكن ذلك لا يثير اليمين الفرنسي ولا يستدعي تدخل الدولة!

المعركة مع الإسلام في فرنسا مع ما يحركها من تعبئة أيديولوجية، هي فرع من العداء المتنامي في أوروبا للمهاجرين، هذا العداء الذي عزز حظوظ اليمين المتطرف أوروبياً وأظهر حركات تفوق العرق الأبيض والنازية الجديدة، بل تسرب للولايات المتحدة وكان أحد أهم عوامل التحول الذي أوصل ترمب للسلطة.

المختلف في فرنسا هو حرص النظام على التحكم في الإسلام نفسه وليس التضييق على المسلمين وحسب، فبينما سنت دول أخرى مثل سويسرا وبلجيكا قوانين تستهدف المسلمين، لم يكتف الفرنسيون بذلك بل حاولوا عبر مجلس الديانة الإسلامية فرض صورة خاصة للإسلام تجرده من خصوصيته وتجعله متماهياً مع قيم الليبرالية الغربية!

هذه المحاولات المتكررة لم تنجح في تغيير المجتمع الإسلامي الفرنسي، فقيادة المجلس ما زالت تمثل هامشاً غير شعبي في المجتمع المسلم في فرنسا، والتشدد الذي أظهرته حكومة ماكرون من حيث الخطاب والممارسة ساهم في عزل المسلمين أكثر وتعزيز رفضهم للمؤسسات التي حاولت الحكومة فرضها عليهم.

ما تفعله حكومة فرنسا اليوم مشابه لما فعلته الحكومة الأمريكية الديموقراطية مع الأمريكيين من أصول يابانية خلال الحرب العالمية الثانية، وما تفعله حكومة الكيان الصهيوني المنتخبة مع الفلسطينيين.

الديموقراطية أياً كان شكل تطبيقها ليست ضمانةً ضد التطرف والعنصرية، الضمانة تكمن في الإيمان الصادق بمنظومة قيم حقيقية تكفل كرامة الإنسان وحقه ضعيفاً كان أو قوياً، من الأقلية أو من الأغلبية، مهاجراً أو من أهل البلد.

هذه القيم تجسدت في هدي النبوة، حين نقل محمد صلى الله عليه وسلم الخيرية من النسب إلى التقوى والكفاءة في كل سيرته وفي وصيته في ذات الخطبة التي استفزت كلماتها أدعياء الحرية في فرنسا، "كلكم لآدم وآدم من تراب".

* د. ماجد محمد الأنصاري أستاذ الاجتماع السياسي المساعد بجامعة قطر.

المصدر | الشرق