الأربعاء 4 أغسطس 2021 11:47 ص

الشباب الأردني .. البحث عن أفق سياسي

أخيراً قفز معدل البطالة في أوساط الشباب الأردني (خلال وباء كورونا) إلى ما يقارب 50 بالمئة.

هنالك جدّية حقيقية لدى الدولة في تحديث الحياة السياسية والانتقال بها إلى مرحلة جديدة تتناسب مع حجم التحدّيات.

التحدّي الأكبر أمام الدولة خلال المرحلة المقبلة أن تبعث رسائل واضحة جلية إلى جيل الشباب فحواها أنّ الوضع تغير.

أفكار مهمة وتوجهات واضحة وملموسة لدى اللجنة الملكية في إنجاز تحديثاتٍ جوهريةٍ على التشريعات السياسية والبيئة العامة.

هل سيطلق العنان لهذا الجيل ليُحدث فرقا بالمشهد السياسي ويعبر عن طموحاته ورؤيته للتنمية والأولويات الوطنية والسياسات المطلوبة لمواجهة بطالة باتت شبحا يهدّد مستقبل ملايين الشباب؟

*     *     *

قفزات ملموسة قامت بها الدولة في الأردن، خلال الأعوام الماضية، في مجال تمكين الشباب الأردني، على صعيد المؤسسات والتشريعات والسياسات والخطاب والبرامج.

إذ تم تدشين مؤسسة ولي العهد المعنية بصورة كبيرة بالشباب، وأحيت وزارة الشباب، بالإضافة إلى عمل صندوق الملك عبد الله الثاني، وذراعه الشبابي "هيئة شباب كلنا الأردن"، كماً كبيراً من البرامج ومؤسسات المجتمع المدني الدولية العاملة في حقل الشباب وبناء قدراتهم ومهاراتهم.

جاء هذا الاهتمام، بل التحول الكبير في السياسات الشبابية الأردنية، مرتبطاً بتغيرات سياسية ومجتمعية واقتصادية عديدة. ويمكن اعتبار لحظة الربيع العربي وما بعدها بمثابة نقطة تحوّل رئيسية، أعادت تشكيل الرؤية الرسمية في ملف الشباب، لينتقل من مربّع حصره في المجال الرياضي وأوقات الفراغ، إلى المجالات الأخرى، وساهم في ذلك الحراك الشبابي، بخاصة في المحافظات، ومسيرات المتعطّلين عن العمل، وأخيراً قفز معدل البطالة في أوساط الشباب الأردني (خلال وباء كورونا) إلى ما يقارب 50%.

عملت السياسات الرسمية والبرامج الدولية، خلال الأعوام الماضية، على محاولة بناء قدرات الشباب، سواء في مهارات الاتصال والحياة والمشروعات الريادية والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وكانت القناعة الرسمية متمركزةً في اعتبار أن جوهر المشكلة اقتصادي، وحلّها يكون في هذا الإطار.

لكن الواضح أنّ الرياح جاءت بما لا تشتهي السفن، فالظروف الاقتصادية ازدادت سوءاً، ومعدل البطالة قفز إلى مستوياتٍ مرعبة، بالتوازي مع ارتفاع حالة الاحتقان والشعور بالتهميش لدى شريحةٍ عريضةٍ من الشباب، وخصوصا في المحافظات التي تفتقد فرص القطاع الخاص، في الوقت الذي بات القطاع العام عاجزاً عن القيام بمهمته التقليدية في توظيف هذه الفئة العريضة.

التطور المهم الجديد تمثّل في تشكيل اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية في البلاد، قبل قرابة شهرين، إذ تضمنت رسالة الملك عبد الله الثاني إلى رئيس اللجنة سمير الرفاعي خطاباً واضحاً في بناء البيئة الآمنة والحاضنة لتمكين الشباب سياسياً، وتطوير مشاركتهم في الحياة الحزبية والبرلمانية في البلاد.

فوق ذلك تم اختيار أكثر من عشرة من الشباب الأردني الناشط سياسياً ضمن أعضاء اللجنة، وتم تصميم لجنة لتمكين الشباب في اللجنة الملكية نفسها، وتعمل على تقديم توصيات متعلقة بتمكين الشباب في التشريعات السياسية المباشرة (قوانين الانتخاب والأحزاب والإدارة المحلية مثلا)، وبيئة المجال العام (بما في ذلك تشريعات وسياسات واتجاهات رسمية تجاه الشباب، كالعمل الجامعي والتمكين الديمقراطي في المدارس).

أخذت قناعة جديدة، إذاً، تترسّخ في أوساط من القرار الأردني بضرورة إدماج الشباب وتصعيد نخب شبابية إلى مواقع القرار، وتحسين تمثيلهم في العمل الحزبي والسياسي. وترتبط هذه القناعة بإدراك ضرورة نقل العمل الشبابي من مربع الاحتجاج والحراك في الشارع والغضب والإحباط والاحتقان إلى مربعات اللعبة السياسية والعمل الحزبي والتمثيل البرلماني.

كما أنّ هنالك إدراكاً رسمياً يعتبر جديداً بأنّ الفصل بين الجوانب الاقتصادية والسياسية في تمكين الشباب وإدماجهم غير ممكن، لذلك رأينا هذا التطور النوعي في التفكير الرسمي في ما يتعلق بالعمل السياسي الشبابي.

ثمّة أفكار مهمة وتوجهات واضحة وملموسة لدى اللجنة الملكية في إنجاز تحديثاتٍ جوهريةٍ على التشريعات السياسية والبيئة العامة. ومن الواضح أنّ هناك قناعة في أعلى سلّم القرار الرسمي بضرورة المضي في هذا المجال، ومن ذلك التوجه نحو القوائم النسبية الحزبية الوطنية المغلقة.

والسير بهذا الخط بالتدرّج، وصولاً خلال إطار زمني (يقدره كثيرون بعشرة أعوام) إلى برلمان حزبي وحكومات حزبية برلمانية، وتداول سلطةٍ في هذا الإطار، ما يعني تطوير قدرات الأحزاب السياسية وعملها، على صعيد التشريعات وعلى صعيد الأحزاب نفسها التي من المفترض أن تبدأ التحضير لهذه المرحلة "المتوقعة".

في مجال الشباب، هنالك توجّهات واضحة لتعزيز فرص مشاركة الشباب ومساحتها في العملين الحزبي والبرلماني. ووضعت لجنة الشباب توصيات بخصوص قانون الانتخاب، وتجنبت (على سبيل المثال) الكوتا الشبابية المباشرة، ووضعت بدلاً منها شرط أن يكون أحد الشباب ضمن الأسماء الأولى في القوائم المغلقة.

كما تمّت التوصية بتخفيص سن المرشّح في الانتخابات النيابية إلى 25 عاماً، ووضع شروط في قانون الانتخاب لمستوى تمثيل الشباب في الهيئة التأسيسة وربط الدعم المالي للأحزاب بتولي الشباب المناصب القيادية في الأحزاب السياسية، وتمت التوصية بتخفيض سن المرشّح في الحكم المحلي (البلديات واللامركزية) إلى 22 عاماً، وتأكيد السماح للعمل الحزبي في الجامعات، وفتح المساحات المطلوبة للشباب في المجال العام في البلاد.

نظرياً، هي توجهات وتصورات وخطوات تمثّل نقلة نوعية مفترضة في العمل الشبابي خلال الأعوام المقبلة، ومن "المفترض" (لاحظوا أننا ما زلنا في مجال الافتراضات) أن تؤدّي إلى تحريك الدور الشبابي في الحياة السياسية وفي الأحزاب وفي الانتخابات والعمل النيابي، لكن نسبة كبيرة من الشباب لا تزال لديها شكوك وهواجس من أن تجد مخرجات هذه اللجنة نفسها أمام مصير شقيقاتها من مخرجات اللجان السابقة في الأدراج، وعلى رفوف المكتبات!.

.. ذلك هو التحدّي الأكبر أمام الدولة خلال المرحلة المقبلة، أن تبعث رسائل واضحة جلية إلى جيل الشباب، فحواها أنّ الوضع تغير، وأن الانتماء الحزبي لم يعد خطيراً أو مرفوضاً لدى الدولة، بل أصبح مطلوباً وضرورياً لإدماج الشباب في الحياة العامة، ويوفر فرصةً لهم للتعبير عن انتماءاتهم وتصوراتهم وأفكارهم المختلفة، وهو البديل عن الحراك في الشارع الذي ارتفعت سقوفه خلال الفترة الماضية.

أنهى معهد السياسة والمجتمع، أخيرا، ورشة عمل مهمة شارك فيها قرابة 40 شاباً أردنياً، من النخب السياسية المتنوعة والمتعدّدة، ناقشوا موضوعات الهوية الوطنية والمواطنة والديمقراطية، وطوّروا خطاباً سياسياً من نخبة من الشباب الأردني تجاه الدولة والمجتمع.

وهو تطوّر يعكس حجم الحراك الجديد لدى جيل الشباب، والاهتمام بالوصول إلى "ميثاق" فكري وسياسي وطني، والاستعداد للولوج إلى العمل السياسي والحزبي، متى توفرت القناعة لديهم، واقعياً، بأنّ هنالك جدّية حقيقية لدى الدولة في تحديث الحياة السياسية، والانتقال بها إلى مرحلة جديدة، تتناسب مع حجم التحدّيات والتهديدات والضغوط التي يواجهها الجيل الجديد الذي من المفترض أن يبدأ بالولوج إلى مواقع التأثير والقرار.

وقد قدّمت هذه النخبة الشبابية في المؤتمر نموذجاً مهماً عن استعدادها للمرحلة الجديدة، وكسرت القوالب المعلّبة المسبقة لدى الجيل السياسي القديم، الذي ما زال ينظر إلى جيل الشباب بوصفه قاصراً أو غير ناضج للمشاركة، وتجاوزت في طروحاتها هواجس تقليدية عديدة استخدمت ضد الإصلاح السياسي في البلاد فزّاعات.

هل ستنطلق الصافرة ونطلق العنان لهذا الجيل ليُحدث الفرق في المشهد السياسي، ويجد مجالاً له للتعبير عن طموحاته وآماله ورؤيته للتنمية والأولويات الوطنية، والسياسات المطلوبة لمواجهة البطالة التي باتت الشبح الذي يهدّد مستقبل ملايين الشباب الأردني؟

* د. محمد أبورمان باحث في الفكر الإسلامي والإصلاح السياسي، وزير الشباب الأردني الأسبق.

المصدر | العربي الجديد