الاثنين 16 أغسطس 2021 07:25 م

العودة إلى 2001

كان سقوط كابول أسرع من المتوقع وفرار أشرف غني وانسحاب القوات الحكومية الأمنية شكل واقعاً لا يمكن لواشنطن دعم خيار بديل معه.

فرق مهول بين التحالف الدولي الذي أمن سقوط نظام طالبان قبل 20 عاما وقوات طالبان الحالية.. فكيف تمكنت طالبان من حسم المشهد بهذه السرعة؟

الخلافات الداخلية والفساد وضعف بناء مؤسسات الدولة جعل من شبه المستحيل لقوات الحكومة وإن كانت أفضل تسليحاً أن تقاوم تقدم طالبان على الأرض.

المجتمع الدولي مضطر الآن للتعامل مع واقع طالبان الدولة وليس طالبان الحركة والقلق المشروع حول تفاقم أزمة اللاجئين وانتهاكات حقوق الإنسان سيظل قائما.

*     *     *

في مشهد سريالي دخلت قوات طالبان العاصمة الأفغانية كابول دون أي مقاومة تذكر، وتحول المشهد خلال ساعات قليلة من تقييم بأن أفغانستان ستكون تحت سيطرتهم خلال 6 أشهر إلى الحديث عن مفاوضات حول سلطة انتقالية إلى مفاوضات لتسليم كابول إلى إعلان طالبان سيطرة كاملة على العاصمة.

وكل ذلك دون مواجهات حقيقية على الأرض، تماماً كما حدث عام 2001 حين قررت قيادة طالبان الانسحاب من كابول تاركة عشرين مقاتلاً في إحدى حدائق المدينة، تكرر المشهد ليلة البارحة لتعود عقارب الساعة عشرين عاماً إلى الوراء.

تشابه المشهد بين 2001 و 2021 كبير، فكما كان الحال آنذاك سقطت مزار شريف أولاً وفتحت السجون ثم حوصرت كابول لتسقط دون مقاومة تذكر.

في 10 نوفمبر 2001 سقطت مزار شريف بيد تحالف الشمال والتحالف الدولي بعد معارك ضارية وبعد فشل استعادة المدينة من قبل طالبان اتجهت القوات المدعومة بالقصف الأمريكي إلى كابول في 12 نوفمبر وسرعان ما غادرت قوات طالبان إثر ما وصف حينه بأنه قرار اتخذ لحقن دماء الأفغان، ولكنه كان كذلك فرصة لمقاتلي الحركة لضمان بقائها فالمعركة كانت انتحارية.

المفارقة طبعاً هي الفرق المهول بين التحالف الدولي الذي أمن سقوط نظام طالبان قبل عشرين عاماً وقوات طالبان الحالية فكيف تمكنت طالبان من حسم المشهد بهذه السرعة؟

العديد من المراقبين حذروا مراراً خلال المفاوضات مع طالبان وبعدها من سرعة الانسحاب الأمريكي دون ضمانات حقيقية، ولكن الحكومة الأفغانية التي كانت بعيدة عن المشهد تتحمل المسؤولية الأكبر، الخلافات الداخلية والفساد وضعف بناء مؤسسات الدولة جعل من شبه المستحيل لقوات الحكومة وإن كانت أفضل تسليحاً أن تقاوم تقدم طالبان على الأرض!

أمريكياً اعترف وزير الخارجية الأمريكي في مقابلة على برنامج "ميت ذا برس" الشهير أنه فور تسلم الإدارة السلطة في واشنطن كانت التقارير تشير بوضوح إلى تمكن طالبان من المشهد ميدانياً، أي أن الإدارة كانت حسمت أمرها في تسليم البلاد لطالبان وإن أعلنت غير ذلك.

لكن مع ذلك كان سقوط كابول أسرع من المتوقع وفرار أشرف غني وانسحاب القوات الحكومية الأمنية شكل واقعاً لا يمكن لواشنطن دعم خيار بديل معه.

عبدالله عبدالله رئيس هيئة المفاوضات ومنافس غني أعرب عن خيبة أمله في الرئيس الذي هرب وورط البلاد حسب قوله، عبدالله رفقة حامد كرزاي الرئيس السابق وقائد الحزب الإسلامي قلب الدين حكمتيار شكلوا لجنة في محاولة للحفاظ على مكتسبات الحكومة الأفغانية ووجهوا نداءً للقوات الحكومية للصمود خلال المرحلة الانتقالية.

لكن يبدو أن هذه اللجنة وئدت قبل أن تولد مع فرار القوات الأمنية من محيط القصر الرئاسي ودخول مقاتلي طالبان آخر معاقل السلطة المركزية، وتنتهي مع ذلك الدولة التي استمرت 20 عاماً فقط.

طالبان من ناحيتهم اليوم يعدون بسلطة تمثل جميع الأفغان وباستمرار التواصل مع المجتمع الدولي، لم تتعرض الحركة للسفارات أو المطار سامحةً للدبلوماسيين وغيرهم بالمغادرة أو البقاء.

التحدي أمام طالبان الآن هو إيجاد صيغة حكم قابلة للبقاء ومتوافقة مع متطلبات الدولة في النظام الدولي وقادرة على التفاعل مع مكونات الداخل واللاعبين الإقليميين والدوليين، سيكون ذلك صعباً مع اعتبار عقيدة الحركة وطبيعتها.

ولكن ما أظهرته الحركة على الأقل في حراكها الدبلوماسي الأخير يظهر أن هناك صورة مختلفة ربما ترسمها الحركة للسلطة، ليس بأن تكون دولة مدنية حديثة، ولكن أن تصبح مقبولة في السياق الدولي أكثر.

المجتمع الدولي مضطر الآن للتعامل مع واقع طالبان الدولة وليس طالبان الحركة، والقلق المشروع حول تفاقم أزمة اللاجئين وانتهاكات حقوق الإنسان سيظل قائماً حتى يثبت عكس ذلك، نتأمل للشعب الأفغاني مستقبلاً أفضل وأن تنتهي عصور استغلاله المستمر في صراعات الإقليم وما بعده.

* د. ماجد محمد الأنصاري أستاذ الاجتماع السياسي بجامعة قطر.

المصدر | الشرق