الاثنين 30 أغسطس 2021 04:54 م

تعدد السيّر عند القدماء

لا يعني مصطلح «علم السيرة» أن السيرة علم ولد مكتمل المناهج والأدوات والقواعد بل يعني دراسة السيرة علميا بمناهج المحدثين دون تسليم بسير القدماء.

كُتبت سيرة الرسول ﷺ طبقاً لمناهج ورؤى مختلفة من القدماء إلى المحدثين وتتراوح بين إنسان تاريخي وإنسان مفارق للواقع كما في الحقيقة المحمدية عند الصوفية.

السيرة فن من فنون الكتابة التاريخية كان الدافع إليه تسجيل أفعال الرسول ﷺ وأقواله من أجل وضع الأحكام الشرعية والفقهية حول ما يعرض للمسلمين من أحوال.

السيرة الصوفية عن الحياة الروحية للرسول هي سيرة السماء وليست سيرة الأرض الرسول فيها إنسان كامل مفارق للواقع ولجميع شروطه المادية وغير المادية.

اكتفى علم أصول الفقه بالحديث عن السنّة النبوية كمصدر ثان للتشريع بعد القرآن دون تشخيص القول في الشخص والتحول عن الحديث النبوي إلى السيرة النبوية.

*     *     *

كتب أنتوني ڤيسيلز Anthony Wessels رسالته للدكتوراه حول السيرة النبوية في العصر الحديث، مبيناً اختلاف الرؤية والمنظور بين الكتب المختلفة في علم السيرة، ونحن مازلنا نتخوف من تعدد المنظور حرصاً على حقيقة تاريخية يصعب معرفتها دون الرواية.

وكذلك فقد كُتبت سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم طبقاً لعدة مناهج ورؤى مختلفة من القدماء إلى المحدثين.. وهي تتراوح بين «الإنسان التاريخي» و«الإنسان المفارق للواقع» كما هو الحال في «الحقيقة المحمدية» عند الصوفية. ومن ثم فلا يعني مصطلح «علم السيرة» أن السيرة علم ولد مكتمل المناهج والأدوات والقواعد.

بل يعني دراسة السيرة دراسة علمية بمناهج المحدثين دون التسليم بسير القدماء. السيرة ليست علماً، بل فن من فنون الكتابة التاريخية. كان الدافع إليه تسجيل أفعال الرسول وأقواله من أجل وضع الأحكام الشرعية والفقهية حول ما يعرض للمسلمين من أحوال.

ومع ذلك فقد دخل علم إلى السيرة ما يسميه بعض كتابها بـ«الإسرائيليات». وكان المسلمون قد طلبوا من الرسول ﷺ أن يقص عليهم كما يقص أهل الكتاب، فنزلت الآية الكريمة «نحن نقص عليك أحسن القصص» استجابةً لطلبهم، ولم يفعلوا ذلك أسوة بأهل الكتاب، لأن الرسول ﷺ كان بينهم وهم يعرفونه بالمشاهدة المباشرة وبالمعاصرة وليس بالذاكرة وأنباء السابقين.

وتتعدد نُسخ السيرة النبوية؛ فهناك السيرة التاريخية التقليدية، مثل سيرة ابن هشام وابن إسحاق، وهذه يغلب عليها المنهج التاريخي، وكانت الرواية هي المصدر الرئيسي لها، وكان الغرض منها هو جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات التاريخية حول الرسول ﷺ، بصرف النظر عن مصادرها أو مدى دقة رواياتها..

وفيها الكثير عن ولادة الرسول ﷺ وحياته المليئة بالمعجزات، مثل تسبيح الحصي بين يديه، وحنين جذع الشجرة إليه، وكلام الشاة له وتحذيرها إياه من أكل لحمها المسموم، إلى آخر ما تزخر به كتب السيرة النبوية المتأخرة.

وهناك السيرة النبوية الصوفية، وهي سيرة وجدانية خالصة لا تعتمد على الروايات بل على الإلهامات الروحية والكشوف الربانية، أما مصدرها فهو العلوم اللدنية.

وتكشف السيرة الصوفية عن الحياة الروحية للرسول وليس عن حياته كزوج وأب وصديق وقائد، يحب ويكره، يفرح ويحزن، يجوع ويعطش.. إلخ.

إنها سيرة السماء وليست سيرة الأرض، الرسول فيها إنسان كامل مفارق للواقع ولجميع شروطه المادية وغير المادية. وكتب الفلاسفة أيضاً السيرة النبوية، ولو على نحو أقل. هناك «أقيسة المصطفى» التي تبدو فيها أحاديث الرسول وقد تمت صياغاتها طبقاً لقواعد المنطق الأرسطي وأشكال القياس.

وهناك التقابل بين الفيلسوف والنبي، بين العقل والخيال، بين الخاصة والعامة، بين الحقيقة والمجاز.. وكلاها ثنائيات يكمل فيها كل طرف الطرف الآخر في وحدة المعرفة والسلوك.

و«حي بن يقظان» عند ابن سينا وابن طفيل إنما هي نوع من السيرة يتحد فيها الفيلسوف والنبي في الدين العقلي الطبيعي. فالوحي والعقل والطبيعة شيء واحد طبقاً لهم. وقد كتب ابن النفيس سيرة أخرى على نفس المنوال، كاد أن يطابق فيها بين النبي والفيلسوف، لعلاقتهما معاً بعالم المُثُل.

ولم يكتب علماء الأصول (أصول الدين وأصول الفقه) سيراً للنبي صلى الله عليه وسلم، بل اكتفوا بجعل النبوة أحد قواعد العقائد. والقرآن دليله المعجز، والإسلام ينسخ ما قبله. وبه نسخ داخلي في بعض تشريعاته.

واكتفى علم أصول الفقه بالحديث عن السنّة النبوية كمصدر ثان للتشريع بعد القرآن الكريم، دون تشخيص القول في الشخص، والتحول عن الحديث النبوي إلى السيرة النبوية.. فالحديث قول وفعل وإقرار.

* د. حسن حنفي أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة.

المصدر | الاتحاد