العقبات أمام اعتراف دولي بطالبان

جميع الأطراف تجد في الاعتراف ورقة تفاوض مهمة مع طالبان لا ينبغي الاستعجال في استخدامها.

طالبان والقوى الأفغانية يمكنها اليوم إحراج القوى الغربية عبر تشكيل حكومة بدرجة عالية من التشاركية والنضج السياسي.

الواضح أن أي شكل للسلطة تفرزه المشاورات الحالية سيكون بقيادة طالبان، إذن ما هي المعوقات أمام الاعتراف بحكم طالبان؟

يتفق الجميع على أنه من المبكر الحديث حول اعتراف رسمي بسلطة طالبان رغم أن بعض الدول بدأت فعلياً في التواصل والتعامل مع طالبان.

القوى الكبرى تتحالف مع معظم المستبدين في العالم ولكن القضية تكمن في بعد أيديولوجي، أو بمعنى آخر في الثوب الذي يلبسه الاستبداد.

لا يمكن الاعتراف رسمياً بحكومة أفغانية دون تسمية هذه الحكومة ولا يمكن أن يجلس ممثلها بمقعد الأمم المتحدة ما لم يكن هناك شكل دستوري للحكم.

*     *     *

رغم التباين بين القوى الدولية والإقليمية حول التعامل مع حالة الأمر الواقع في أفغانستان إلا أن الجميع يبدو متفقاً على أنه من المبكر الحديث حول اعتراف رسمي بسلطة طالبان، رغم أن بعض الدول بدأت فعلياً في التواصل والتعامل مع طالبان على الأرض إلا أن مسألة الاعتراف مازالت غير مطروحة على ما يبدو.

صحيح أن طالبان لم تشكل حكومتها بعد ولم تبسط سيطرتها على كامل التراب الأفغاني مع بقاء ولاية بنجشير خارج سلطتها لكن الواضح أن أي شكل للسلطة تفرزه المشاورات الحالية سيكون بقيادة طالبان، إذن ما هي المعوقات أمام الاعتراف بحكم طالبان؟

المعوق الأول يكمن في واقع أن جميع الأطراف تجد في الاعتراف ورقة تفاوض مهمة مع طالبان لا ينبغي الاستعجال في استخدامها، الصين مثلاً والتي كان لها عصا السبق في التفاوض اقتصادياً مع طالبان ستجد نفسها في وضع مواجهة مع الغرب لو اعترفت أولاً بحكم طالبان، كما أنها من خلال تأخير الاعتراف يمكنها الحصول على ميزات تفاوضية أكبر، خاصة وأن طالبان حالياً لم تضع الاعتراف شرطاً للتعاون مع الصين أو غيرها.

القوى الغربية وعلى رأسها واشنطن ستحاول الضغط على طالبان من خلال تأخير الاعتراف ورفع العقوبات لفرض أكبر قدر ممكن من التأثير على شكل السلطة الجديدة سواءً من ناحية حماية المصالح الغربية أو الأطراف التي تضمها الحكومة أو المسائل المتعلقة بحقوق الإنسان.

المعوق الثاني مرتبط بالقرار الداخلي في حركة طالبان، مع التقارير حول ممارسات عنيفة معزولة لأتباع طالبان ضد مخالفيهم في قندهار وغيرها يبقى التكهن سيد الموقف حول الكيفية التي ستدير بها طالبان الدولة.

في حال انتصر معسكر الصقور في طالبان وأخذت الدولة شكلاً أقرب لحكم طالبان الأول بين 96 و2001 فإنه سيصعب على معظم الدول الاعتراف بهذه السلطة، ليست المشكلة في شمولية الحكم أو الممارسات الاستبدادية.

فالقوى الكبرى تتحالف مع معظم المستبدين في العالم ولكن القضية تكمن في بعد أيديولوجي، أو بمعنى آخر في الثوب الذي يلبسه الاستبداد.

فبينما هو مقبول أن يمارس الاستبداد في صيغة مدنية متماشية مع القيم الغربية، يعتبر الاستبداد جريمة لا تغتفر إذا أخذ شكلاً دينياً وخاصة إسلامياً، حتى الآن سلوك الحركة وأتباعها في كابول مبشر، ولكن الأيام كفيلة بتثبيت أو تعديل الصورة النمطية عن الحركة.

المعوق الثالث والأخير هو معوق إجرائي، فلا يمكن الاعتراف رسمياً بحكومة أفغانية دون أن تسمى هذه الحكومة، ولا يمكن أن يجلس ممثلها على كرسي الأمم المتحدة ما لم يكن هناك شكل دستوري للحكم يمكن التعامل معه.

في الوقت الحالي ورغم الحديث المستمر حول قرب موعد إعلان الحكومة الأفغانية إلا أن المواجهات في بنجشير والخلاف حول توزير بعض التكنوقراط واستبعاد شخوص الحكومة السابقة تؤخر هذا الإعلان حسب ما يرشح من دوائر التفاوض المختلفة، مجرد الإعلان عن الحكومة سيقرب الاعتراف الدولي خطوة، ولكن شكل الحكومة ودرجة المشاركة فيها سيؤثر على بقية الخطوات قرباً أو بعداً.

المسألة في أفغانستان أبعد ما تكون عن الحسم حالياً ولكن الفرص مازالت قائمة للوصول إلى صيغة توافقية مقبولة في الداخل والخارج. القوى الدولية لا تريد بالضرورة إعادة إنتاج النظام السابق ولن تسارع في قبول أي سلطة مهما كان شكلها حالياً.

لكن القوى الأفغانية وعلى رأسها طالبان يمكنها اليوم إما إحراج القوى الغربية عبر تشكيل حكومة بدرجة عالية من التشاركية والنضج السياسي أو إعطاء فرصة لهذه القوى لعزل أفغانستان عن المجتمع الدولي من خلال فرض طالبان سلطة الأمر الواقع والانفراد بالحكم.

* د. ماجد محمد الأنصاري أستاذ الاجتماع السياسي بجامعة قطر

المصدر | الشرق