الاثنين 11 أكتوبر 2021 03:50 م

 الحضارة المتخلفة والمدنية الزائفة

النقل والتقليد يدخل في إطار الفهلوة ولا يمثل رقيا أو تقدما وهو ما يدخل فيه استيراد الموضة والمدارس والجامعات والأساتذة الأجانب.

الحضارة كل ما يقوم به شعب من نشاط بمختلف المجالات وممارسات تعبر عن حضارته وما يعبر به يشير إلى مدى فهمه لمصطلح الحضارة.

التطور الذي يحقق المدنية يكون تطورا لمنهج وطني بمختلف المجالات بما يتوافق مع عادات وتقاليد ومعتقدات الشعب لا من خلال استنساخ من الأجانب.

المدنية تعكس مدى تطور شعب وتقدمه فيما يقوم به بمختلف المجالات فالمدنية إبداع راق يميز هذا الشعب وينعكس على ممارساته وأسلوب تعبيره عن مدنيته.

الآثار المصرية القديمة تدل على مستوى المدنية المصرية في عصور مختلفة ومن الخطأ وصفها بالحضارة لأنها تجاوزت مفهوم الحضارة بمراحل بعيدة.

القضية في مصر تداخل الفهلوة مع الحضارة لأن الحضارة راقية في حين أن الفهلوة بلا منهج بل هي تلبيس إبليس أما الحضارة فلها منهج ناتج عن عقيدة أو شخصية الشعب.

*     *     *

يخلط الناس وكثير من المثقفين بين الحضارة والمدنية، خاصة في المفهوم والأصالة والحداثة. الحضارة ببساطة هي كل ما يقوم به شعب من نشاط في مختلف المجالات، وما يقوم به هذا الشعب من ممارسات يعبر عن حضارته، وما يعبر به عن هذه الحضارة يشير إلى مدى فهمه لمصطلح الحضارة.

أما المدنية فهي تعكس مدى تطوره وتقدمه في كل ما يقوم به الشعب في ساحة معينة أو عدد من الساحات، أي أن المدنية إبداع راق يميز هذا الشعب، وينعكس على ممارساته، وفي أسلوب تعبيره عن هذه المدنية.

القضية هنا في مصر تتمثل في تداخل الفهلوة مع الحضارة مع الظن بأن هذه الحضارة راقية، في حين أن الفهلوة لا منهج لها، بل هي تلبيس إبليس، أما الحضارة فلابد لها من منهج ناتج عن عقيدة أو شخصية الشعب.

الحضارة ليست موضة ولكنها إما عمل متوارث أو منقول أو مسروق من شعوب أخرى. فالأهرام تعبر عن المدنية لدى المصريين القدماء لأنها تمثل أرقى نموذج في البناء في العصور القديمة، ويتمثل فيها الإبداع الذي لم يستطع شعب أن يضاهيه فضلا عن أنه بقي صامدا آلاف السنين.

الآثار المصرية القديمة تدل على مستوى المدنية المصرية في عصور مختلفة، ومن الغباء وصفها بالحضارة لأنها تجاوزت مفهوم الحضارة بمراحل بعيدة.

أن يحاول الشباب التعبير عن المدنية بلبس الملابس المستوردة ذات الماركات المشهورة، أو أن يبني المهندس عمارة من خلال رسم نقله عن دولة أوربية، أو محاولة تطوير المدن من خلال النقل عن مدن غربية، كل هذا يدخل في إطار الفهلوة ولا يمثل أي رقي أو تقدم، وهو ما يدخل فيه استيراد المدارس والجامعات والأساتذة الأجانب.

التطور الذي يحقق المدنية ينبغي أن يكون تطورا لمنهج وطني في مختلف الساحات، بما يتوافق مع عادات وتقاليد ومعتقدات الشعب، وليس من خلال استنساخ من الأجانب. المدنية تحتاج إلى الأبداع في الفكر الوطني، والحفاظ على التراث القومي من خلال تطوير النماذج بنفس الروح والعقيدة والمنهج.

الاستفادة من مدنية الأجانب لا يعني نقلها، بل مناقشتها من أجل فتح المجال للتفكير الصحيح والإبداع الوطني. ومسايرة التقدم العالمي لا يعني الاقتباس منه، فهذا مخالف للوطنية والعقيدة والتراث.

إذا أردت أن تفوز بكأس العالم في كرة القدم مثلا فعلى فريقك الوطني أن يقدم ما عنده من فن لا يعرفه فريق آخر. وهو ما ينطبق على كل الساحات، فالإبداع الأصيل يتعلق بالشعب والوطن، لأنه سيكون متفردا ومبهرا للآخرين.

إن الفهلوة التي ننقدها تحمل في طياتها إبداع فكري منحرف، لو استطعنا تطويعه للشخصية الوطنية والعقيدة الدينية والتراث الأصيل، لتحول إلى فكر مبدع يصنع مدنية فريدة.

فما صنعه المصريون القدماء من معجزات يمكن للمصريين المحدثين أن يصنعوا ما يضاهيه، فجينات الإبداع متوارثة، لكن النظر أليها نظرة متخلفة، والانسحاق وراء الإبداع الغربي أو الشرقي هو العائق الوحيد أمام ظهور مدنية مصرية خالصة وأصيلة.

ألا هل بلغت اللهم فاشهد.

* د. محمد السعيد عبد المؤمن أستاذ الدراسات الإيرانية بجامعة عين شمس.

المصدر | facebook.com/msmomen