الخميس 14 أكتوبر 2021 11:58 م

لم يكن أبدا عدد السفن التي تمتلكها دولة ما هو المقياس الوحيد لقوتها في البحر، حيث تلعب عوامل أخرى دورا بالطبع، بما في ذلك أنواع هذه السفن التي تمتلكها الدولة، وما تملكه من غواصات وحاملات طائرات ومدمرات، والطريقة التي يتم نشرها بها، وتطور أجهزة الاستشعار الخاصة بها، ومدى أسلحتها وقدرتها الفتاكة. ومع ذلك، فإن العدد له أهمية خاصة في أعالي البحار.

وعلى مدى العقود العديدة الماضية، شهدت أعداد السفن الأمريكية انخفاضا كبيرا بشكل عام. وكانت الثمانينات والتسعينات بمثابة بداية هذا الاتجاه التنازلي. وخفضت الإدارات الأمريكية في ذلك الوقت الدعم المالي لصناعة السفن التجارية في البلاد ما أدى في النهاية إلى انخفاض أحواض بناء السفن اللازمة لبناء أسطول أكبر. ومع نهاية الحرب الباردة، ذهب صانعو السياسة إلى أبعد من ذلك حيث خفضوا تمويل البحرية الأمريكية لإثبات أن هناك عائدا من السلام وهو هدف قصير النظر بالطبع.

والآن، يدفع كبار مسؤولي وزارة الدفاع باتجاه استراتيجية "سحب الاستثمارات من أجل الاستثمار" والتي تعني سحب البحرية لعدد كبير من السفن القديمة من الخدمة لتوفير الأموال اللازمة لشراء منصات أقل ولكن أكثر تطورا وفتكا.

وفي غضون ذلك، تقوم الصين بتوسيع نطاق تواجدها البحري بقوة، وتشير التقديرات إلى أن بكين تمتلك أكبر أسطول في العالم. وتعترف الأصوات القيادية في واشنطن بالتهديد الصيني المتزايد بينما تجادل أيضا في نفس الوقت بأن الولايات المتحدة يجب أن تقلص أسطولها الحالي من أجل التحديث.

وقال الأدميرال "فيليب ديفيدسون"، الذي ترأس القيادة الأمريكية في المحيطين الهندي والهادئ حتى تقاعده هذا الربيع إن الصين ربما تغزو تايوان في الأعوام الـ6 المقبلة، ويفترض أن يمهد هذا الطريق لمواجهة عسكرية كبيرة مع الولايات المتحدة. ويقول رئيس العمليات البحرية الأدميرال "مايكل جيلداي" إن البحرية بحاجة إلى تسريع سحب طراداتها وسفنها القديمة لتحرير الأموال للسفن والأسلحة التي ستكون بالغة الأهمية في المستقبل.

وتشير هذه الآراء إلى الارتباك الاستراتيجي وغياب دروس التاريخ.

وتظهر قرون من التنافس العالمي كيف أن قوة دولة ما أو انحدارها ترتبط ارتباطا مباشرا بحجم وقدرة قواتها البحرية. وتمثل القدرة على شحن البضائع بكميات كبيرة من الأماكن التي يتم إنتاجها فيها إلى الأماكن التي تندر فيها تعبيرا عن القوة الوطنية. وكان لدى أثينا أسطول بحري قوي بالإضافة إلى أسطول تجاري كبير. كما قامت قرطاج في القرن الثالث قبل الميلاد، والبندقية في القرنين الـ13 والـ14، والجمهورية الهولندية في القرنين الـ16 والـ17 بإدخال أساطيل تجارية وبحرية لمتابعة وحماية مصالحهم. وبهذه الطريقة، تمكنت من تحويل نفسها من دول صغيرة ومتوسطة الحجم إلى قوى عظمى.

وفي أعقاب الحروب النابليونية في أوائل القرن الـ19، قام أسطول ملكي كبير بدوره في الإمبراطورية البريطانية التي "لا تغيب عنها الشمس". وبحلول النصف الأخير من ذلك القرن، حافظ البريطانيون على "معيار القوتين التاليتين" والذي يعني ضرورة أن يكون حجم البحرية الملكية مساويا أو يتجاوز القوتين البحريتين التاليتين مجتمعتين. لكن ثبت أن ذلك غير مستدام في النهاية.

وكانت مضاعفة القوة القتالية للبحرية الأمريكية في عهد الرئيس "ثيودور روزفلت" هي التي دفعت بالولايات المتحدة إلى القوة العالمية. ويرى معظم المؤرخين أن الرحلة البحرية العالمية التي قطعتها البوارج الأمريكية الجديدة، أو ما سمي بـ"أسطول روزفلت الأبيض العظيم"، واستغرقت 14 شهرا كانت ولادة ما يعرف الآن باسم القرن الأمريكي.

وأسس التوسع الهائل للأسطول الأمريكي خلال الحربين العالميتين، وامتلاكه مع نهاية الصراع الأخير  أكثر من 6 آلاف سفينة (وهو ما كان إلى حد بعيد أكبر قوة بحرية على الإطلاق) لوضع البلاد على طريق القوة العظمى. وأخيرا، ساعدت حملة "رونالد ريجان" لبناء 600 سفينة، والتي كانت حملة دعائية بقدر ما كانت خطة لبناء السفن، في إقناع الاتحاد السوفييتي بأنه لن ينتصر في الحرب الباردة.

وعلى مر التاريخ، لم تمثل الأساطيل البحرية والتجارية الكبيرة مجرد مضاعف للقوة ولكن عامل نمو من حيث النفوذ الوطني. وقد أقرت كل القوى البحرية التاريخية بذلك.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 1904، تم تعيين الأدميرال "جون فيشر" قائدا للبحرية البريطانية. وكان المطلوب من "فيشر" مواجهة العدو (ألمانيا) ولكن في إطار إستراتيجية "شد الحزام" وما يلحق بها من تراجع ميزانية البحرية. وكان حل "فيشر" لهذه المعضلة الاستراتيجية هو تقليص الأسطول بشكل كبير من أجل دفع تكاليف التحديث وتركيز السفن المتبقية بالقرب من بريطانيا العظمى. وكانت استثماراته في التحديث مذهلة، وأبرزها إدخال التوربينات البخارية والسفن الحربية كبيرة المدافع "دريدنوت" ما أدى إلى تغيير المنافسة البحرية العالمية.

لكن "فيشر" دفع ثمن تحديث سفنه من خلال إعدام 600 سفينة بحرية ورثها عن سلفه. وقال رئيس الوزراء آنذاك "آرثر بلفور": "بجرة قلم شجاعة أوافق على شطب فيشر 154 سفينة من القائمة النشطة للبحرية الملكية". وصنف "فيشر" بعض هذه السفن على أنها "أغنام" تم إرسالها للذبح في ساحات القواطع، والبعض الآخر مثل "اللاما" تم الاحتفاظ بها في الاحتياطيات، والبعض الآخر مثل "الماعز" احتفظت بأسلحتها بشرط عدم تخصيص أموال صيانة إضافية لها.

ومع ذلك، لم تكن عملية الإعدام خالية من التكلفة. وكانت معظم السفن التي تم التضحية بها من الزوارق الحربية والطرادات المخصصة لـ9 محطات بعيدة لدى بريطانيا مصالح وطنية فيها، كما هو الحال في آسيا وأفريقيا. وولدت التخفيضات انتقادات كبيرة ليس فقط داخل البحرية الملكية، التي كان يديرها ضباط ذوو خبرة طويلة ووجهات نظر قوية فيما يتعلق بأهمية الوجود البحري في الخارج، ولكن أيضا من مكاتب المستعمرات البريطانية الخارجية التي أدركت على الفور أنها لم تعد قادرة على استدعاء سفن البحرية الملكية بسهولة.

وما لم يتوقعه "فيشر" هو أن تقليصه وتحديثه للبحرية الملكية سيخلقان تأثرين متزامنين، هما زعزعة استقرار البيئة الدولية وإطلاق سباق تسلح بحري عالمي.

وكانت بريطانيا تتعرض بالفعل لضغوط في الشرق الأقصى، وطلبت من اليابان المساعدة لحماية مصالحها هناك، لكنها وجدت نفسها بدون أسطول كاف للدفاع عن مصالحها في مواقع جيوستراتيجية أخرى مثل منطقة البحر الكاريبي وأفريقيا. وكان عليها أن تثق في شريك جديد، وهو الولايات المتحدة، لتولي هذه الوظيفة. وكان البديل الوحيد هو أن تتخلى بريطانيا ببساطة عن مصالحها الاستعمارية من أجل التركيز على ما تعتبره التهديد الألماني في بحر البلطيق وبحر الشمال وشمال المحيط الأطلسي.

وكانت هناك تأثيرات أخرى غير مباشرة. فبعد أن تخلت عن قيادتها المهيمنة من خلال عدد السفن، وجدت بريطانيا نفسها في سباق تسلح بحري جديد لم تقدم فيه استثماراتها السابقة أي فائدة. وسرعان ما توجهت كل قوة أوروبية، بالإضافة إلى الولايات المتحدة واليابان، لبناء أصول حديثة، ولم يكن "فيشر" وقواته البحرية قادرين على الحفاظ على معيار قوتهم السابق أو إعادة تأسيسه.

واليوم، يتم تعريف استراتيجية "فيشر" على أنها خطة تحديث سلبية. والدرس واضح؛ فقد وجدت بريطانيا أنها لم تعد قادرة على الحفاظ حتى على مظهر القوة العالمية. وسرعان ما تحولت إلى قوة بحرية إقليمية على أطراف أوروبا. وساهمت الظروف، التي تلت ذلك من عدم الاستقرار الدولي وهياكل التحالف المتغيرة وسباق التسلح العالمي، في اندلاع الحرب العالمية الأولى ونهاية الإمبراطوريات بما في ذلك بريطانيا.

وتواجه الولايات المتحدة حاليا نفس التحديات الاستراتيجية التي واجهتها بريطانيا منذ أكثر من قرن بقليل. وبقدر ما واجهت حكومة "بلفور" ضغوطا استراتيجية من حرب "البوير" الثانية بالإضافة إلى عدم الاستقرار الاجتماعي المحلي وصعود ألمانيا، تتعامل الولايات المتحدة مع الانسحاب الفوضوي من أفغانستان والاضطرابات المدنية المحلية وصعود الصين.

بالإضافة إلى ذلك، حاول البيت الأبيض أن يفرض على وزارة الدفاع قيودا مالية مماثلة لتلك التي فرضها "بلفور" على "فيشر"، أي تخفيض الميزانيات ورفع الكفاءة في نفس الوقت، ما دفع "البنتاجون" لاتخاذ قرار بتقليص خطط بناء السفن الخاصة، حيث بدأ في بناء 8 سفن جديدة فقط في العام المقبل نصفها من السفن المساعدة، مع الإسراع بإيقاف تشغيل 7 طرادات، ما أدى إلى انخفاض الأسطول إلى 294 سفينة. وأشار الكونجرس إلى أنه سيسعى إلى زيادة هذه الأرقام، لكن المستقبل يزداد ضبابية.

وبالنظر إلى أن السفينة الأكثر قدرة لا يمكن أن تتواجد إلا في مكان واحد في كل مرة، وأن محيطات العالم شاسعة، فإن الأسطول لن يلبي الطلب على التواجد البحري من قبل مختلف القادة الإقليميين حول العالم. وفي المتوسط، تعادل طلباتهم ما يقرب من 130 سفينة في البحر في اليوم، أي ما يقرب من نصف الأسطول الحالي. واليوم، تنشر البحرية أقل من 90 سفينة في اليوم، ما يخلق فجوات في المناطق الرئيسية.

وسعت البحرية الأمريكية في السابق إلى الكفاءات التي من شأنها أن تسمح لها "بعمل المزيد بموارد أقل"، من خلال الحد من التدريب أو الوقت الذي تقضيه السفن في الصيانة. ولكن النتيجة كانت ارتفاعا طفيفا في الحوادث الخطيرة في البحر وتراجع الاستعداد القتالي للأسطول.

وتتركز الاستراتيجية البحرية الأمريكية الشاملة، التي ذكرها قادة الدفاع مرارا وتكرارا خلال جولة جلسات الاستماع في الكونجرس في الربيع، على "التجريد" من المنصات القديمة من أجل "الاستثمار" في منصات أحدث، التي بالرغم من قلة عددها إلا أنها تتمتع بميزة نوعية. وكما يكشف التاريخ، ستنتج هذه الاستراتيجية أسطولا صغيرا جدا غير كاف لحماية المصالح العالمية للولايات المتحدة. وفي نهاية المطاف، ستضمر قاعدة بناء وصيانة السفن الأمريكية إلى درجة لن تتمكن فيها من تلبية الطلب على السفن الجديدة أو تقديم الإصلاحات عندما تأتي الحرب بشكل شبه حتمي.

ولتجنب أخطاء الماضي، يجب على الكونجرس اتباع البند الدستوري في المادة 1 وتخصيص الأموال الكافية لتوفير أسطول أكبر وأكثر حداثة على المدى الطويل والحفاظ على البحرية التي لديه اليوم كتحوط ضد التهديد الحقيقي والمباشر من الصين. ويتطلب مثل هذا التخصيص زيادة سنوية من 3 إلى 5% في ميزانية البحرية في المستقبل المنظور، كما أوصت به لجنة استراتيجية الدفاع الوطني لعام 2018 المكونة من الحزبين.

وتعمل الصواريخ التي تفوق سرعتها سرعة الصوت وأسلحة الطاقة الموجهة مثل المدفع الكهرومغناطيسي الكبير على تغيير وجه الحرب، ويجب على الولايات المتحدة الاستثمار لمواكبة منافسيها في الصين وروسيا، اللتين تعملان بالفعل على نشر بعض أنظمة هذه الأسلحة بأعداد كبيرة.

ومع ذلك، فإن البحرية، بصفتها الحارسة اليومية التي تواجه هاتين القوتين العظمتين المنافستين، لا يمكن تقليص حجم قوتها القتالية. وكما فهم كل من "ثيودور" و"فرانكلين روزفلت" و"رونالد ريجان" لاحقا، لابد أن تمتلك القوى العظمى أساطيل بحرية كبيرة وقوية ومرنة. وعلى العكس من ذلك، يشير تقليص الأساطيل تاريخيا إلى دول مرهقة ومثقلة بالمهام وفي حالة تراجع. ويدعو مثل هذا الإدراك إلى التوسع استعدادا لتحدي المنافسين المحتملين. ولتلبية متطلبات البيئة الاستراتيجية الحالية، يجب أن تنمو البحرية الأمريكية وبسرعة.

ولن يكون حتى أسطول مكون من 355 سفينة، وهو العدد الذي أعلنت إدارة "أوباما" استهدافه في أيامها الأخيرة، كافيا لإعادة إرساء الردع التقليدي في أعالي البحار. وبدلا من ذلك، يجب على الولايات المتحدة أن تسعى إلى أسطول مكون من 456 سفينة، يشتمل على توازن بين الأصول المتطورة عالية التقنية مثل الغواصات النووية، والمقاتلات السطحية الصغيرة منخفضة التكلفة التي يمكن إضافتها إلى العمل بسرعة. ويجب أن تسعى أيضا إلى إطالة عمر السفن الموجودة لديها الآن لتغطية التهديد قصير المدى. ويمكن للولايات المتحدة القيام بذلك عن طريق جدولة هذه السفن لتمديد عمر الخدمة للهيكل وتحديث أنظمتها القتالية وأجهزة الاستشعار المرتبطة بها داخل ساحات إصلاح السفن المدنية في البلاد.

وسيكون هذا المسعى مكلفا. ويمكن أن يكلف كل طراد من فئة "تايكوندرجا" أو مدمرة من فئة "آرلاي بورك" ما يصل إلى نصف مليار دولار لإصلاحها وتحديثها، لكن استبدال كل طراد ومدمرة بسفينة جديدة سيكلف 3.5 مليار دولار و1.9 مليار دولار على التوالي، وسيكون لهذا الإصلاح والتحديث تأثير إضافي يتمثل في تجديد قدرة البلاد على إصلاح السفن التي ظلت مهجورة لفترة طويلة جدا.

وكانت الولايات المتحدة قد بدأت القرن الـ20 كقوة هامشية. وعمل "ثيودور روزفلت" أولا على بناء البحرية، وتبعت ذلك جهود إدارة "ويلسون" لتلبية متطلبات الحرب العالمية من خلال مضاعفة حجم الأسطول 3 مرات، الأمر الذي ساعد في وضع الولايات المتحدة في موقع قوي في البحر.

وتم تعزيز هذا الموقف في أواخر الثلاثينات، عندما عمل النائب "كارل فينسون" مع "فرانكلين روزفلت" على توسيع حجم البحرية قبل الحرب العالمية الثانية من خلال 3 أوامر لبناء السفن بلغت ذروتها في قانون البحرية للمحيطين لعام 1940. وكانت تلك الجهود، التي تم اتخاذها في أوقات السلم، هي التي سمحت للبحرية الأمريكية في نهاية الحرب العالمية الثانية باحتلال مركز الصدارة.

والآن، في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، يجب على الولايات المتحدة ألا تتجاهل التاريخ وألا تكرر أخطاء بريطانيا (القوة البحرية التي جاءت قبلها) من خلال الاعتقاد الخاطئ أن التضحية بالكم من أجل الاستثمار في الكيف سيكون حلا سحريا بينما تناور لتجاوز تهديدات الصين. ويجب على الولايات المتحدة أن تدرك مرة أخرى، كما فعل الآخرون من قبل، أن العدد له اعتبار خاص في محيطات العالم الشاسعة.

المصدر | جيري هندريكس/فورين بوليسي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد