الخميس 14 أكتوبر 2021 07:29 ص

مأساة جزيرة

تعرضت هايتي لزلزالين كارثيين كان آخرهما في أغسطس الماضى تضرر منه أكثر من 800 ألف شخص بين قتيل وجريح ومشرد.

جزيرة هايتي من أفقر دول العالم. وهى منكوبة بالتدخلات الدولية والكوارث الطبيعية والعنف والفساد وعدم الاستقرار السياسي.

عصف اغتيال رئيس البلاد بما تبقى من استقرار فعادت العصابات المسلحة للساحة وزادت أحداث الاختطاف والقتل مما فاقم المشكلات الاقتصادية ورفع معدلات الفقر والجوع.

مساعدات غذائية أمريكية تغرق أسواق هايتي بمنتجات زهيدة الأسعار فيفلس المزارعون المحليون الذين يعانون بسبب كارثة المناخ ويزداد حزام الفقر حول المدن لتصبح مرتعًا لعصابات مسلحة.

الدور الأمريكى بهايتي بالغ الخطورة تدخلاعسكريا وسياسيا طوال تاريخها فرغم الفقر الشديد وربما بسببه تجد عشرات المنظمات الحكومية الأمريكية في هايتي أرضًا خصبة لعملها فتتواجد فيها بقوة.

*     *     *

المحنة التى يعيشها شعب جزيرة هايتي الصغيرة تجسيد صارخ لأمراض العالم. فالقرن الحادى والعشرون كشف عن تفاقم علل قديمة قدم العالم نفسه، من العنف والاستهانة بأرواح البشر للعنصرية، فضلًا عن التجاهل المخيف للكارثة المناخية التى نعيشها.

فجزيرة هايتي من أفقر دول العالم. وهى منكوبة بالتدخلات الدولية والكوارث الطبيعية والعنف والفساد وعدم الاستقرار السياسى. ففى سنوات عشر، تعرضت لزلزالين كارثيين، كان آخرهما فى أغسطس الماضى، تضرر منه أكثر من 800 ألف شخص بين قتيل وجريح ومشرد.

وقد أعاقت الأعاصير والسيول عمليات الإغاثة، فظلَّ نصف مليون طفل بلا مأوى ولا مياه للشرب ولا صرف صحى وعرضة، وفقًا للأمم المتحدة، للكوليرا والملاريا وأمراض أخرى خطيرة.

وبين الزلزالين، عصف اغتيال رئيس البلاد بما تبقى من استقرار، إذ عادت العصابات المسلحة للساحة وارتفعت معدلات الاختطاف والقتل، الأمر الذى يفاقم المشكلات الاقتصادية ويرفع معدلات الفقر والجوع.

ورغم أن المجتمع الدولى قد تعهد بدعم مالى وإنسانى لهايتي، فلا يوجد ما يضمن وصولها. فعقب زلزال 2010، أطلق المجتمع الدولى وعودًا مماثلة لكن عملية إعادة البناء لم تحدث، ليس فقط بسبب الفساد وانما لأن أغلب المساعدات الدولية لم تصل أبدًا. ولأن الجزر حول العالم هى الأكثر تأثرًا بكارثة المناخ، فإن حجم المعاناة الإنسانية فى هايتي، يزداد وطأة كل عام.

والدور الأمريكى فى الجزيرة بالغ الخطورة، من التدخل العسكرى والسياسى طوال تاريخها وحتى اليوم. فرغم الفقر الشديد، وربما بسببه، تجد العشرات من المنظمات الحكومية الأمريكية فى هايتي أرضًا خصبة لعملها، فتتواجد فيها بقوة.

والمساعدات الأمريكية لهايتي تتلقاها تلك المنظمات، لا حكومة هايتي، الأمر الذى يضاعف الفساد ويضعف الحكومة ذاتها. أكثر من ذلك، فإن دعم الولايات المتحدة الهائل للمزارعين الأمريكيين معناه أن المساعدات الغذائية الأمريكية تمثل إغراقًا لأسواق هايتي بمنتجات أسعارها زهيدة فيفلس المزارعون المحليون، الذين يعانون أصلًا بسبب كارثة المناخ. والنتيجة معروفة، إذ يزداد حزام الفقر حول المدن فتصبح مرتعًا لعنف العصابات المسلحة.

كل تلك المآسى تجعل هايتي، التى وصفها أحد مسؤولى الخارجية الأمريكية «بالكابوس الإنسانى»، عاجزة عن توفير حياة آدمية آمنة لأبنائها فيهربون بالآلاف من أجل البقاء على قيد الحياة فى البلدان المجاورة.

لكن دول الجوار التى تعيش كوارث مشابهة صارت، هى الأخرى، طاردة للهايتيين، الذين لم يعد أمامهم سوى اللجوء الجماعى للولايات المتحدة.

وكانت آخر موجات ذلك الرحيل الجماعى للهايتيين من دول القارة لا فقط من هايتي نفسها، قد وصلت مؤخرًا للحدود الأمريكية المكسيكية، فلاقت الأهوال.

وهى موجة توقعتها السلطات الأمريكية، بالفعل، حتى أن وزير الأمن الداخلى الأمريكى كان فور حدوث الزلزال قد هدد الهايتيين وحذرهم من محاولة اللجوء لبلاده.

وقد شهد العالم بالصوت والصورة ما جرى على الحدود الأمريكية- المكسيكية. فحرس الحدود الأمريكيون امتطوا خيولهم وبدوا كأنهم يلاحقون الهايتيين بالسوط، وشرعت الطائرات الأمريكية «تشحن» أولئك المهاجرين إلى هايتي رغم أن بعضهم كان يعيش خارجها أصلًا.

ورغم أن مصادر رسمية نفت استخدام السوط، إلا أن الرئيس بايدن كان قد أدان بنفسه ما قام به حرس الحدود وتعهد بالعقاب الرادع.

ورغم أن مشهد الخيل والسوط فى يد حراس الحدود البيض كان صادمًا لكل من رآه، إلا أنه كان أكثر وطأة بالنسبة لسود أمريكا لأنه يماثل مشاهد زمن العبودية، باعتراف نائبة الرئيس الأمريكى، فلم يملك السود سوى أن اعتبروا المعاملة الوحشية للهايتيين على يد سلطات بلادهم سببها ببساطة لون بشرتهم الأسود.

* د. منار الشوربجي أستاذ العلوم السياسية، باحثة في الشأن الأمريكي.

المصدر | المصري اليوم