الأحد 17 أكتوبر 2021 05:54 ص

الصين تتعلّم من تاريخها

تختلف الصين عن كل أمم العالم باعتمادها ثقافة التعلّم من الهزائم أكثر من ثقافة التعلّم من الانتصارات.

يعترف العالم بأن الصين اليوم بقواها المتعددة قادرة على فتح صفحة جديدة بالعلاقات الدولية! فماذا ستكتب الصين في صفحة لعبة الأمم؟

تفتتت الصين إلى مناطق سيطرت عليها اليابان وبريطانيا وأميركا وحتى كوريا والبرتغال وخرجت من كل هذه الكوارث الوطنية مشبّعة بالحنظل المرّ.

حاولت الصين تقليد الغرب اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا لكن محاولاتها باءت بالفشل حتى تمكّن «دينغ شياوبنغ» من تمرير برنامجه الإصلاحي رغم ثورة ماو الثقافية.

الكوارث والمآسي علّمت الصين كيف تصبح قوة نووية، تتمتع بالاقتصاد الأقوى في العالم والأكثر تطوراً، والتحوّل من دولة لم تكن تملك طائرة حربية واحدة أثناء الحرب الكورية لدولة تملك حاملات الطائرات..

*     *     *

تختلف الصين عن كل مجتمعات العالم باعتمادها ثقافة التعلّم من الهزائم أكثر من ثقافة التعلّم من الانتصارات. الولايات المتحدة وبريطانيا تعرفان ذلك جيداً، وكذلك تعرفه أستراليا التي كانت جزءاً من التاج البريطاني.

ففي عام 1842 هُزمت الصين أمام بريطانيا التي كانت تحتلّ جارتَها الهند أيضاً. ودفعت ثمن الهزيمة الرضوخ لإرادة البريطاني المنتصر بموجب معاهدة نانجينغ بإباحة استعمال الأفيون (المخدرات). وهكذا استطاعت بريطانيا من خلال تخدير الشعب الصيني السيطرة على الصين كلها.

لكن تلك السيطرة لم تعمّر طويلاً، إذ أدت الانتفاضات الوطنية الصينية إلى تحرير البلاد، بما في ذلك الجزر التي كانت خاضعة لهيمنة الأسطول البريطاني.

وتعود ثقافة التعلّم من تجارب الماضي في الأدبيات الصينية إلى القرن الخامس قبل الميلاد. في ذلك الوقت قام الإمبراطور الصيني «غوجيرات» بحملة  فاشلة، وحتى يتعلّم من هذه التجربة، فرض على نفسه النوم على فراش من الأعمدة الخشبية، وعلق فوق رأسه مرارة (وهي عضو في الجهاز الهضمي يزوّد المعدة بعصارة مُرّة للمساعدة على هضم الطعام الدسم).

وكان يمتص من عصير هذه المرارة، ليس عقاباً لنفسه فقط، ولكن تأديباً لها حتى يتعلّم الدرس عن طريق المعاناة. ومن خلال هذا التعذيب الذاتي أهّل نفسه لتصحيح الأخطاء  واستمدّ من معاناته العزيمة والقوة للانتقام فيما بعد.

ومن هنا جاءت العبارة الصينية «شي كو» المتداولة اليوم على كل شفة ولسان، والتي تعني أكل المر أو أكل الحنظل. لقد أكلت الصين الحنظل نتيجة لهزائمها أمام القوات اليابانية قبل الحرب العالمية وبعدها. ثم نتيجة التحالف الأميركي البريطاني الذي تمكّن من ليّ ذراعها في الشرق الأقصى.

تفتتت الصين إلى مناطق سيطرت عليها اليابان وبريطانيا وأميركا وحتى كوريا والبرتغال. وخرجت من كل هذه الكوارث الوطنية مشبّعة بالحنظل المرّ.

لكن ذلك لم يذهب سدى، فالكوارث والمآسي علّمت الصين كيف تصل إلى ما وصلت إليه اليوم: قوة نووية، تتمتع بالاقتصاد الأقوى في العالم والأكثر تطوراً، والتحوّل من دولة لم تكن تملك طائرة حربية واحدة أثناء الحرب الكورية في خمسينيات القرن الماضي إلى دولة تملك اليوم مجموعة من حاملات الطائرات..

ومن دولة لم تكن تملك مدفعية ميدان في تلك الحرب إلى دولة تملك ترسانة من الصواريخ الباليستية بعيدة المدى.. ومن دولة خضعت لسياسة إباحة المخدرات إلى دولة أبهرت العالم بإنزال سفينة على الوجه غير المرئي للقمر.

وما كان للصين التي تواجه اليوم التحالف الأميركي البريطاني الأسترالي الجديد، وأن تصل إلى هذا المستوى من التطور والرقيّ لو لم تتخلَ عن المدرسة الكونفوشيوسية القديمة، ولو لم تعمل بموجب نظرية الفيلسوف الصيني الحكيم «هان فيزي» التي قال بها قبل ألف عام.

وتقوم هذه الفلسفة المعتمدة اليوم على أساس نظرية تقول: «إذا استطاع الحاكم الحكيم أن يسيطر على الثروة والقوة، يستطيع أن يحقق كل ما يريد». ومن الواضح أن الحكومة الصينية تؤمن بهذه النظرية وتعمل بموجبها، فهو يسيطر على الثروة والقوة وتتطلع إلى استعادة تايوان بعد هونغ كونغ، كما تتطلع إلى فتح طريق الحرير البحرية التي تتوجس منها أساطيل الدول الأنجلوسكسونية الثلاث: الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا.

حاولت الصين تقليد الغرب في مدارسه الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، لكن كل محاولاتها في هذا المجال باءت بالفشل إلى أن تمكّن الزعيم «دينغ شياوبنغ»، مهندس النهضة الحديثة، من تمرير برنامجه الإصلاحي، رغم ما حدث خلال الثورة الثقافية التي قادها «ماوتسي تونغ».

يعترف العالم بأن الصين اليوم، بقواها العلمية والاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية، قادرة على فتح صفحة جديدة في العلاقات الدولية.. والسؤال الهام هو: ماذا ستكتب الصين في صفحة لعبة الأمم؟

* محمد السماك كاتب لبناني ناشط في الحوار الديني

المصدر | الاتحاد