الأحد 17 أكتوبر 2021 06:42 ص

مخاطر «توقف الدفع».. بين لبنان وأميركا

أصبح الدولار النقد العالمي الأهم موفرا لواشنطن نفوذاً مالياً وسياسياً كبيراً يمكن استخدامه في الحروب الاقتصادية وسلاحا في المعرك العسكرية!

ينتشر تداول الدولار بمعظم بلدان العالم ويسيطر على حركة المال والاقتصاد ويزداد الطلب عليه فتزداد كمياته المطبوعة التي تستوعبها الأسواق المالية.

الدين الأميركي هو الأكبر بين دول تحظى بأعلى تصنيف ائتماني وتتوقع وكالات دولية أن تتجاوز نسبته 130% من الناتج المحلي العام وأن تبلغ 202% في 2051.

توقف لبنان عن الدفع لديون يوروبوندز (32 مليار دولار) فخسر ثقة العالم وانهار قطاعه المصرفي وتدهور نقده الوطني وتراجع حجم اقتصاده من 54 مليار دولار لأقل من 22 مليار.

كل من يملك أموالا أو ودائع أو صكوكاً بالدولار من بنوك مركزية وتجارية وأفراد مضطر لحمايته حمايةً لمصالحه لكن كل هذه القوة ومفاعيلها لا تخفي مخاطر تفاقم دين أميركا.

*     *     *

عندما أعلن رئيس الحكومة اللبنانية السابق حسان دياب، في 7 مارس 2020، عن توقف الدفع لديون سندات «يوروبوندز»، والبالغة نحو 32 مليار دولار، خسر لبنان جراء ذلك «ثقة العالم»، وانهار قطاعه المصرفي، وتدهور نقده الوطني حتى تجاوز سعر صرف دولار بيروت 21 ألف ليرة، وتراجع حجم اقتصاده من 54 مليار دولار إلى أقل من 22 مليار.

وقد حصل ذلك في بلد صغير، واقتصاد من أصغر اقتصادات العالم. لكن ماذا سيحصل للولايات المتحدة، ولأكبر اقتصاد في العالم، إذا توقفت حكومة واشنطن عن دفع الديون المستحقة عليها؟ لقد حذّرت وزيرة الخزانة جانيت يلين مراراً من احتمالية تخلف الولايات المتحدة عن سداد ديونها إذ فشل الكونغرس في رفع سقف الدين قبل الإثنين المقبل (18أكتوبر) والبالغ 28.4 تريليون دولار. حتى أن الرئيس جو بايدن أبلغ مسؤولين في بنوك وشركات بضرورة تجنب «الكارثة الاقتصادية» التي قد تنجم عن تخلف أكبر قوة اقتصادية في العالم عن سداد ديونها.

ولوحظ أنه على الرغم من خطورة تلك التحذيرات، فإن المشرّعين الأميركيين لم يتجاوبوا مع رفع سقف الدين كما طلب البيت الأبيض، بل اكتفى مجلس الشيوخ بالموافقة على تأجيل مؤقت لمدة 45 يوماً بمبلغ 480 مليار دولار، بما يسمح لوزارة الخزانة بالوفاء بالتزاماتها حتى 3 ديسمبر المقبل، وبأغلبية ضئيلة جداً وبمعارضة واسعة من قبل «الجمهوريين»، مع العلم أن أكثر من ربع الدَّين الأميركي، أي نحو8 تريليونات دولار، ترتب على الخزانة خلال حكم الرئيس «الجمهوري» السابق دونالد ترامب.

وهكذا ستعود الأزمة مجدداً مع تفاقم حجم الدين، ولا يوجد حل لدى الحكومة الأميركية إلا مواصلة الاقتراض، كون الخيارات الأخرى محدودة الفعالية، كزيادة الضرائب أو تقليص النفقات. وتشاء الصدف أن ينطبق هذا الواقع على أزمة لبنان المالية حيث تفاقَم الدَّين العام وتراكم إلى أكثر من 100 مليار دولار، والحكومة مضطرة للاقتراض من أجل الوفاء بالتزاماتها.

لكن ماذا تفعل عندما تخسر ثقة العالَم بها نتيجة توقفها عن الدفع، ولا تجد مَن يقرضها؟

لقد لجأت إلى طبع المزيد من النقد حتى تضخمت الكتلة النقدية من 5000 مليار ليرة بنهاية عام 2019 إلى حدود 45000 مليار ليرة في يونيو الماضي، مما ساهم في تدهور قيمة الليرة مقابل الدولار الأميركي. وإذا كان المعروف عالمياً أن قوة النقد تنبع من قوة الاقتصاد، فإن النفوذ السياسي بدوره ينعكس على النقد.

وهكذا أصبح الدولار هو النقد العالمي الأهم، وهو يوفر لواشنطن نفوذاً مالياً وسياسياً كبيراً يمكن استخدامه في الحروب الاقتصادية، وكقوة ضغط في المعارك العسكرية..

وذلك من خلال انتشار تداوله في معظم بلدان العالم وسيطرته على الحركة المالية والاقتصادية، حيث يزداد الطلب عليه وتزداد بالتالي كمياته المطبوعة، والتي تستوعبها الأسواق المالية، خصوصاً أن كل من يملك أموالا أو ودائع أو صكوكاً بالعملة الأميركية، من بنوك مركزية وتجارية وأشخاص، مضطر لحماية الدولار حمايةً لمصالحه.

لكن يبدو أن كل هذه القوة ومفاعيلها، لا تخفي مخاطر تفاقم الدين الأميركي، وهو الأكبر بين الدول التي تحظى بأعلى تصنيف ائتماني.

وتتوقع الوكالات الدولية أن تتجاوز نسبته 130% من إجمالي الناتج المحلي العام الحالي، وأن ترتفع إلى 202% عام 2051.

* عدنان كريمة كاتب لبناني متخصص في الشؤون الاقتصادية

المصدر | الاتحاد