السبت 23 أكتوبر 2021 04:36 م

 أسلمة الفن

هل يمكن إعادة أسلمة الفن بكل أنواعه وساحاته وبكل ما أضيف إليه من عناصر وألوان؟

الإبداع ليس في ما عمل الغرب أو الشرق لأنه ليس موجها لخير بل للإفساد، ومن ثم فهو ليس إحسانا إلى البشر بل إفسادا للأنسان.

النموذج القرآني يشير إلى أمرين: الاول أنه ما من مجال مسدود أمام الفن بكل أبعاده، والثاني أسلمة المعالجة من خلال الوجدان النقي.

تحريم الفن لم يرد في المحرمات التي سجلها القرآن الكريم إلى يوم القيامة بل سوء الممارسة والمبالغة في الشطط بخيال جامح وبلا وجدان إسلامي نقي.

كانت قومية الفن هي قومية الإسلام، فكان لأسلمة الفن هدفا راقيا ورؤية سامية وطبيعة خاصة متميزة، استلهمت رقيها من رقي الدين ومبادئ الأسلام.

*     *     *

اهتم المسلمون الأوائل من العرب والعجم بالفنون الراقية والمفيدة فكان ما أسموه بالفن الإسلامي، سواء في مجال الخط والكتابة أو الرسم والنقش أو البناء والعمارة أو الموسيقى والسماع، أوالتصوير، وكان الاهتمام يدور في إطار الأسلمة الملتزمة.

فكان طابع الفنون الإسلامية مرتبطا بالدين، وعندما ضعف المسلمون، وظهرت نهضة الفنون والفنون المحدثة، ظهرت حركة التنوير عند المسلمين فشملت الفن، ومن تأثرهم تم تقل كافة الفنون الغربية والشرقية دون تفريق!

ومن ثم تم  هدم إطار الدين، حيث ظهر في هذه الفنون ما هو إباحي يأباه الإسلام، وما هو سياسي، وما هو قومي، وهو ما أخرج المسلمين من إطار الدين إلى إطار المواطنة، ومن قومية الإسلام التي توحد المسلمين بلا فرق ولا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى إلى قومية العرق أو الشعوبية أو المجتمع أو الحزب أو العسكرة أو الوظيفة.

كانت قومية الفن هي رابطة الإسلام، فكان لأسلمة الفن هدفا راقيا ورؤية سامية وطبيعة خاصة متميزة، استلهمت رقيها من رقي الدين ومبادئ الأسلام.

هل يمكن إعادة أسلمة الفن بكل أنواعه وساحاته وبكل ما أضيف إليه من عناصر وألوان؟

أقول بكل ثقة نعم، فالفن في حد ذاته إبداع والإبداع إحسان والإحسان مطلب إلهي من المؤمنين، من ثم ينبغي تعديل النظرة ألى الفن من جانب المسلمين، الذين انقسموا إلى متزمتين يرفضون الفنون، ولا يشترون آليات نشر الفنون، وبين متحررين يسعون إلى الفن من وجهة النظر غير الأسلامية قائلين إن الله جميل يحب الجمال.

والحق أقول إن الفريقين قد جانبهم الصواب، فإذا كان الفن إبداع فهو ليس فنا من أجل الفن، لأن الإبداع تميز عقلي ووجداني، وإذا كان الله سبحانه هو بديع السموات والأرض فلم يخلق قبيحا ولا مشوها، لأن قدرته أعلى من أن تبدع بهذا الشكل.

فإذا كان الله سبحانه قد خلق الإنسان في أحسن تقويم فهذا علامة على إبداعه فن الخلق، وإذا كان قد رده إلى أسفل سافلين فهذا ناتج أفعاله القبيحة، فما يكذبكم بعد بالدين أليس الله بأحكم الحاكمين!

إن أول خطوة في أسلمة الفن هو نزع كل العناصر التي تخرجه عن الإسلامية من فنون الغرب والشرق، وهذا ليس معناه تحريم بعض الفنون، وإنما تطهير هذه الفنون بنقاء النظرة ووجدانية الإبداع.

وقد فعل الله سبحانه في قرآنه الكريم بمثل يتعلق بمشهد غرفة نوم زوجة العزيز التي أغلقتها على النبي يوسف وقالت له هيت لك، فهذا المشهد إن قام الفن الغربي أو الشرقي بتمثيله، كان الهدف منه الإثارة، لكن الفن الإسلامي وضع له هدف الوجدانية الصحيحة، فالشهوة غريزة لكن الوجدان النقي له أبعاد التحكم فيها، قال يوسف عليه السلام: إنه ربي أحسن مثواي.

فظهر مانع خيانة الزوج الذي أكرمه، فإذا همت به كان له سبيل أن يهم بدفعها، لكنه لم يؤذها بهذا الدفع لانه رأى بوجدانه برهان ربه، فسبقها إلى الباب، فلم تلحق إلا قميصه فقدته من الخلف، فكان هذا برهانا على براءته من الوقوع في الإثم.

هذا النموذج من القرآن الكريم يشير إلى أمرين: الاول أنه ما من مجال مسدود أمام الفن بكل أبعاده، والثاني أسلمة المعالجة من خلال الوجدان النقي. من ثم فتحريم الفن لم يرد في المحرمات التي سجلها القرآن الكريم إلى يوم القيامة.

وإنما سوء الممارسة والمبالغة في الشطط بخيال جامح وبلا وجدان إسلامي نقي، كما أن الإبداع ليس في ما عمل الغرب أو الشرق لأنه ليس موجها لخير بل للإفساد، ومن ثم فهو ليس إحسانا إلى البشر بل إفسادا للأنسان،

ألا هل بلعت.. اللهم فاشهد.

* د. محمد السعيد عبد المؤمن أستاذ الدراسات الإيرانية بكلية الآداب، جامعة عين شمس.

المصدر | facebook.com/msmomen