الأحد 24 أكتوبر 2021 07:38 ص

ضرورة التعامل العاجل مع التضخم

ارتفاع التضخم المتزامن مع نقص فعلي ومرتقب في الإمدادات قاد لارتفاع قلق المنتجين والمستهلكين على حد سواء.

الحاجة ماسة حالياً لتخفيض عمليات التحفيز النقدي بشكل كبير وهو أمر ما زال متواصلاً ضمن حالة الطوارئ النقدية في البلاد.

مستويات القوة الشرائية لا تزال قوية رغم كل الظروف وهي القوة التي تعني بالضرورة أن معدلات الطلب ستكون في زيادة مستمرة.

ارتفاع معدلات التضخم يعني أن ارتفاع الطلب يواجه بنقص في العرض نتيجة تعطل قطاعات النقل وسلاسل التوريد ونقص العمالة وضغوطات يعانيها قطاع الطاقة.

*     *     *

تتصدر مخاوف التضخم العناوين الرئيسية حول العالم، حيث تشهد أسعار المزيد من السلع ارتفاعاً كبيراً لم يشهده العالم منذ عقود، ولكن ارتفاع التضخم المتزامن مع النقص الفعلي والمرتقب في الإمدادات قاد إلى ارتفاع القلق لدى المنتجين والمستهلكين على حد سواء.

إذ إن ذلك يمكن أن يساهم في تفاقم حالة عدم المساواة وإخراج التعافي الاقتصادي المستدام والشامل من جائحة كوفيد-19 وآثارها السلبية في العالم، عن مساره المرسوم، وهو ما يعني أن هذه القضية تحولت الآن إلى مسألة سياسية بحتة.

بدأ المشرعون في البنوك المركزية البريطانية والأمريكية بتفادي ذكر التضخم الانتقالي، لكن هذا التحول لا يزال أبعد ما يكون عن الاكتمال ولا يسير بالسرعة الكافية، خاصة لدى الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الذي يعد المؤسسة النقدية الأقوى من حيث المنهجية على مستوى العالم.

لا شك في أن تأخر الكونغرس الأمريكي في التصديق على الإجراءات المتعلقة بزيادة الإنتاجية وتعزيز مشاركة القوى العاملة، من العوامل التي من المتوقع أن تؤدي أيضاً إلى مفاقمة الأوضاع الحالية.

إن ارتفاع معدلات التضخم معروفة الأسباب، حيث إن ارتفاع الطلب يواجه بنقص في العرض نتيجة لتعطل قطاعات النقل وسلاسل التوريد ونقص العمالة والضغوطات التي يعانيها قطاع الطاقة.

ورغم أن ارتفاع الأسعار أمر جدير بالمتابعة، إلا أنه لا يعني بالضرورة تكرار سيناريو سبعينات القرن الماضي، والتي بلغت فيها معدلات التضخم مستويات مرتفعة، وذلك بسبب التغييرات التي طرأت على طرق التقييم، إلى جانب أن المصداقية التي تتمتع بها المركزية حالياً، لا تُقارن بما كانت عليه الأوضاع في السبعينات، رغم أنها تواجه الآن اختباراً صعباً للغاية.

لقد ظهر جلياً بأن أفكار مسؤولي مجلس الاحتياطي الفيدرالي التي كانت تتمحور حول أن الارتفاع المتزايد في الأسعار، ما هو إلا مرحلة مؤقتة، كان توجهاً خاطئاً، ولا تزال توقعاتهم المرتبطة بالتضخم حتى الآن تشير إلى أنهم ليسوا قلقين جداً من هذه الظاهرة الخطيرة، وذلك على الرغم من البيانات التي تظهر بشكل واضح بأن الأوضاع آخذة في السوء مستقبلاً.

كثيرون يدركون بأن توقعات التضخم التي تستند إلى الاستطلاعات التي يجريها الاحتياطي الفيدرالي، قد سجلت ارتفاعاً بأكثر من 4% ضمن إطار زمني يتراوح بين 1-3 أعوام، ويبدو أن هنالك توسعاً في الميول التضخمية المرتبطة بالتداعيات غير المباشرة المتعلقة بالتكلفة، كما وصلت معدلات البطالة الجديدة بين العمال الأمريكيين إلى مستويات قياسية، حيث يشعر الموظفون براحة أكبر عند ترك وظائفهم للبحث عن وظائف ذات رواتب أفضل أو تحقيق توازن أفضل بين العمل والحياة الشخصية، كما أن هنالك أحاديث تدور حول إمكانية قيام إضرابات عمالية في المستقبل.

ويبدو أن موجة التضخم الحالية هي جزء من تغيير هيكلي عام في النموذج الاقتصادي الكلي العالمي، حيث انتقلنا من حالة النقص في الطلب الكلي إلى حالة يكون فيها الطلب جيداً بشكل عام، ومن الملاحظ أيضاً أن مبيعات التجزئة الأمريكية سجلت ارتفاعاً أكبر من المتوقع بنسبة 9.13% على أساس سنوي في سبتمبر.

وهو ما يعني أن مستويات القوة الشرائية لا تزال قوية رغم كل الظروف، وهي القوة التي تعني بالضرورة أن معدلات الطلب ستكون في زيادة مستمرة، وهذا لا يعني أنه لا توجد قضايا تتعلق بالطلب وكيفية التعامل معه. كما أن ظاهرة عدم المساواة لا تنطبق فقط على المداخيل والثروات، ولكنها تنطبق أيضاً على توافر الفرص.

يعكس ارتفاع معدلات التضخم واستمراره تلك المشاغل، وذلك بسبب أن التداعيات الناتجة عنه متعددة الأوجه، ولا تقتصر على الجوانب الاقتصادية والمالية والمؤسسية والسياسية والاجتماعية، حيث ستؤكد تلك العوامل تفاوت تأثيرها بحيث يكون الفقراء هم الأكثر تضرراً منها.

أما على الصعيد العالمي، فإن التداعيات الناجمة عن هذه الزيادة التضخمية تهدد بخطر إخراج بعض البلدان النامية ذات الدخل المحدود من مسار التقارب الاقتصادي على المدى الطويل.

كل تلك العوامل تعني أنه يتعين على مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والكونغرس اتخاذ خطوات عاجلة لضمان ألا يؤدي التضخم الحالي إلى خفض مستويات النمو الاقتصادي، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى زيادة فجوة عدم المساواة وضرب الاستقرار المالي.

هناك حاجة ماسة حالياً لتخفيض عمليات التحفيز النقدي بشكل كبير، وهو الأمر الذي ما زال متواصلاً ضمن حالة الطوارئ النقدية في البلاد رغم سوء توقيت التحول إلى إطار التوجه الجديد لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.

كما يمكن للمشرعين الأمريكيين المساهمة في ذلك الأمر من خلال اتخاذ خطوات عاجلة وإطلاق مبادرات تعمل على ترجيح كفة العرض المرتبط برؤوس الأموال والعمالة، حيث إن ذلك يعد مسؤوليتهم المباشرة، وهذا ما يعني اتخاذ تدابير للنهوض بالبنية التحتية وتعزيز الإنتاجية وزيادة مشاركة القوى العاملة.

كما يتعين على صناع القرار تعزيز الأطر التنظيمية والإشراف بشكل أكبر على القطاع المالي الذي يضم المؤسسات غير المصرفية، ويجب عليهم كذلك مراقبة معدلات تركز الشركات، بسبب الضغوطات الكبيرة التي تعانيها الشركات فيما يتعلق بأرباحها، وإيجاد حلول فاعلة تتناول مشكلة توقف سلاسل الإمدادات العالمية.

ويبدو أن الصورة الحقيقية بدأت تتجلى لبعض كبار مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي، ما يبشر بخطوات فاعلة يمكن أن تعالج المشكلة من جذورها، وإلا فإن مصداقية الاحتياطي الفيدرالي ومكانته السياسية ستتراجع إلى حد كبير.

* د. محمد العريان خبير اقتصادي ورئيس كلية «كوينز» بجامعة كامبريدج

المصدر | الخليج