الاثنين 3 يناير 2022 03:45 م

اقتصاد لبنان «الحر» و«استعادة الثقة»

«مفتاح الحل» يكمن في فك الحلقة المفرغة التي يدور فيها لبنان عبر تأمين استقرار سياسي يدفع نحو «استعادة الثقة» المفقودة.

استعادة الثقة ستشكل أبرز الحلول للوصول إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي، بل فرض إصلاحات إنقاذية والالتزام بتنفيذها.

يزداد الضغط على القطاع المصرفي لإعادة هيكلته وفق شروط صندوق النقد وتحميله جزءاً من خسائر تقدّر بـ69 مليار دولار مما يقتضي إعادة هيكلة الديون.

أظهر استطلاع انعدام ثقة اللبنانيين بالمنظومة الحاكمة، ويعتبر 89% منهم الفساد منتشرا بدرجة كبيرة ويتوقون لإصلاح سياسي بيد منظومة سياسية جديدة تفرزها الانتخابات المرتقبة.

كيف يمكن لدولة عاجزة عن إصدار بطاقة تموينية وعدت بها قبل رفع الدعم منذ أكثر من عام أن تلتزم بما ستتعهد به أمام مؤسسات التمويل الدولية، وتنفيذ شروطها ودفع الديون عند استحقاقها؟

هل تستطيع حكومة «معطلة» سياسيا ويهيمن فريق على سياستها الخارجية ما يسيء لعلاقات لبنان بدول الخليج وعزله عن محيطه العربي! فهل تستطيع هكذا حكومة تحسين علاقاته مع الدول العربية؟

*      *      *

لئن كان فقدان «الثقة» أبرز أسباب الأزمات السياسية والمالية والاقتصادية والاجتماعية، التي يعاني تداعياتها اللبنانيون منذ أكثر من سنتين، فإن «مفتاح الحل» يكمن في فك الحلقة المفرغة التي يدور فيها لبنان، عبر تأمين استقرار سياسي يدفع نحو «استعادة الثقة» المفقودة.

وخاصة أن استعادتها ستشكل ليس فقط أبرز الحلول للوصول إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي، بل فرض إصلاحات إنقاذية والالتزام بتنفيذها.

ومن هنا يتساءل بعض خبراء صندوق النقد والبنك الدوليين، المتابعون لأزمات لبنان المتلاحقة، والتي تهدده بالتحول إلى «دولة فاشلة»، كيف يمكن لدولة عاجزة عن إصدار بطاقة تموينية وعدت بها شعبها قبل رفع الدعم منذ أكثر من عام، أن تلتزم بما ستتعهد به أمام مؤسسات التمويل الدولية، وتنفيذ شروطها، ودفع الديون عند استحقاقها؟

وبما أن الدور العربي محور «أساسي واستراتيجي» في عملية التمويل لإعادة النهوض الاقتصادي و«استعادة ثقة» المجتمع الدولي، فهل تستطيع حكومة «معطلة» بسبب اختلافات سياسية، وهيمنة فريق على سياستها الخارجية، بما يسيء إلى علاقات لبنان مع دول الخليج، وعزله عن محيطه العربي.. هل تستطيع هكذا حكومة تحسين علاقاته مع الدول العربية؟

بما أن النظام المصرفي كان يعد ركيزة الاقتصاد اللبناني، فإن انهياره يمثل سبباً مباشراً لانهيار الوضع المالي والاقتصادي في آن واحد، مع العلم أنه سبق أن وصف بأنه «أنجح قطاع في المنطقة العربية»، لكن الحراك الشعبي في17«أكتوبر 2019، كشف عوراته التي أفقدت «الثقة» به تدريجيا.

ثم تفاقمت مع إعلان حكومة حسان دياب السابقة في مارس2020، التوقف عن دفع أقساط «اليوروبوندز».وهكذا سبّب انهيار القطاع المصرفي بانهيار الوضع المالي الذي يعمل ضمن دورة اقتصادية في العالم الرأسمالي، وفي منظومة الفكر النيوليبرالي السائدة في إطار العولمة.

وكما هو معروف، يعتمد النظام المصرفي اللبناني «النموذجَ الأميركيَّ»، لمواكبة دولرة الاقتصاد، حتى إن سعر الفائدة «العائمة» يستند إلى الفائدة المرجعية في نيويورك. وقد وجهت واشنطن انتقاداً شديداً لمصارف لبنان، بسبب ممارساتها التي تسبّبت في انهيار القطاع، إلى حدود الإساءة لسمعة النموذج الليبرالي العالمي.

والرفض الأميركي لنظام الفساد، يستند إلى حجة بدهية ذكرها بريان نيلسون، وكيل وزارة الخزانة للإرهاب والاستخبارات المالية، في لقاء عُقد عن بعد يوم 16 ديسمبر مع أركان جمعية المصارف اللبنانية حين قال:

«يفترض بحلفاء الولايات المتحدة في لبنان، أن يؤمنوا بالنموذج الأميركي، والحكم وفق نظام مبني على الحرية الفردية والتبادل الحر، وعلى الشفافية والمساءلة والمحاسبة، وقد قررت محاسبتهم وعزل البعض منهم نهائيا، ليس لحماية الفرد بل أيضاً لصون سمعة الليبرالية وتطهيرها من السوء الذي سببته لها المافيات المالية والمصرفية ورجال الأعمال الفاسدون».

وذلك في وقت يزداد فيه الضغط على القطاع المصرفي، لإعادة هيكلته وفق شروط صندوق النقد، وتحميله جزءاً من الخسائر المقدّرة بنحو69 مليار دولار، وبما يستدعي بالتوازي إعادة هيكلة الديون.

وتبقى الإشارة إلى أن نتائج استطلاعات أجرتها مؤسسة «البارومتر العربي» (مؤسسة أميركية متخصصة)، أظهرت انعدام «ثقة» اللبنانيين بالمنظومة السياسية الحاكمة، وأن نسبة 89% منهم يعتبرون أن الفساد منتشر بدرجة كبيرة، وهم يتوقون إلى حصول إصلاح سياسي على يد منظومة سياسية جديدة قد تفرزها الانتخابات النيابية المرتقبة في مايو المقبل.

* عدنان كريمة كاتب لبناني متخصص في القضايا الاقتصادية

المصدر | الاتحاد