الأربعاء 5 يناير 2022 10:11 ص

سؤال لأهالي عمان: مواطنون أم «مجنسون»؟

سأل سياسيون مرارا: هل يوجد بين الأردنيين من هو ليس أردنيا؟

«مجنسون»! هل يوجد بين أهل سكان العاصمة الأردنية عمان من يمكن أن ينطبق عليهم حقا هذا التعبير؟

يشكك بعضهم بجنسية مواكنيهم ويعتبرونها مكتسبة وبالتالي التلميح ضمنا بأنها «غير شرعية» أو قابلة للمراجعة. كيف يستقيم الأمر؟

مئات المواطنين الأردنيين يمكنهم تقديم خبرات كبيرة في المسارات الوطنية في الحراك والمعارضة لكنهم يبتعدون أو يعتزلون ويشعرون بالإقصاء المسبق!

عبارة صغيرة منفلتة حول مكتسبي الجنسية من أهل عمان مثلت دوما عنصر طرد مركزي لمكونات كبيرة بالمجتمع من أي نشاط يزعم الحراك أو يبدي معارضة واعتراضا.

*      *      *

«مجنسون» هل يوجد بين أهل سكان العاصمة الأردنية عمان من يمكن أن ينطبق عليهم حقا هذا التعبير؟

حسنا قد لا يتعلق الأمر بمفردة تقال أحيانا أو بكلمات وعبارات ينفلت لسان صاحبها عندما يعتلي منصة الخطابة في جمهور.

سأل سياسيون مرارا: هل يوجد بين الأردنيين من هو ليس أردنيا؟

مجددا أفلت الميكروفون، وبصيغة تقدم دليلا متكررا حول السر الكامن وراء الاخفاق المتواصل في توفير حاضنة شعبية واجتماعية لمظاهر الحراك الشعبي بأصنافه.

في لقاء عشائري الطابع ووطني الهدف بالنسبة للكثير من الحضور، أقيم قبل أيام في عمان بدعوة من نشطاء في قبيلة محترمة، أفلت الصوت ووقف أحد المتحدثين باسم القبيلة واللقاء مقترحا توجيه رسالة قوية لـ«جلالة سيدنا» ولـ«مكتسبي الجنسية في عمان».

لا يمكنها أن تكون مجرد زلة لسان لكن تلك العبارة الصغيرة المنفلتة حول وجود مكتسبين للجنسية من أهل عمان، كانت دوما تمثل عنصر الطرد المركزي لشرائح ومكونات كبيرة في المجتمع عن أي نشاط يزعم الحراك أو يتقمص هيئة المعارضة والاعتراض.

نفهم بأن الاجتماع الذي نتحدث عنه انطلق أساسا من دعوة أحد نواب البرلمان التي حملت اسم «صرخة وطن» لكل المكونات وعلى أساس مناقشة التعديلات الدستورية.

صاحبنا المتحدث وهو يتسلل بعبارة تتحدث عن مكتسبين للجنسية لم ينتبه إلى أن المنطق الذي يثيره يريد في النهاية حماية الوطن بدون مواطنة أو بدون مواطنين، والغريب أن أحدا من الحضور لم يعترض أو يتحفظ.

حضرت مرة بدعوة اجتماعا مع نحو 40 ممثلا لأحرار المناطق والمحافظات الأردنية. كغيري من المواطنين والحضور وأثناء النقاش استأذنت المضيف للإدلاء بتعليق ورفعت يدي للتحدث، فلاحظ أحد الرفاق اليساريين ثم عالجني بما يمكن أن أصفه وضميري مرتاح بأسوأ عبارة تصدر عن معارض.

صاحبنا الرفيق وضع شرطا للحديث بمنتهى الغرابة وبكل لياقة وأدب بالمناسبة، قوامه الرجاء «من الأردنيين فقط» التعليق والمشاركة مقترحا بالنص وحرفيا أن الاجتماع فيه ضيوف وأن الميكروفون فقط للأردنيين «البحت».

ضحكنا أنا وأربعة ضيوف على الأقل لسنوات طويلة على مثل هذا التعبير الذي يصدر عن منظر يساري يريد لسبب غير مفهوم أن يحصر الحراك والنقاش والاعتراض بشرائح محددة فقط من المواطنين.

قد يعرف الحراكيون بأن السر الكامن وراء عزلتهم وعدم تسلل خطابهم أفقيا في شرائح المجتمع يكمن في توجيه رسائل أو استعمال عبارات من هذا النوع في غالبية الاجتماعات.

عبارة واحدة بالتلميح أو التصريح في أي اجتماع وطني أو يدعي الوطنية من عائلة العبارات التي تفرق بين الأردنيين وحدها كفيلة بتسميم أي مبادرة حراكية أو معترضة، وبحرمان أي خطاب أو ملاحظة في باب المعارضة من حواضن كبيرة في المجتمع.

بصراحة وببساطة هذه واحدة أساسية ومفصلية من مسوغات وأسباب الأزمة التي تعاني منها تعبيرات الحراك والمعارضة في الحالة الأردنية.

وبصراحة الاصرار على توجيه خطاب معارض أو حراكي تحت لافتة وطنية ومن أجل الوطن لكن بدون مواطنين، ومع الاسترسال في الحديث عن وجود شرائح اكتسبت الجنسية أو توصف بأنها مجنسة، هو تماما أمر يشبه الرغبة في إعداد طبق العجة بدون تكسير ولا بيضة واحدة.

نفس الخطأ المايكروفوني تكرر عبر تلك المداخلة التي كان يمكن الاستغناء عنها. لم يعترض أحد على عبارة المجنسين في عمان، ولم يتقدم أي من الحضور بملاحظة تتبرأ من هذه العبارة ولو تحت يافطة هدف تكتيكي عملياتي، من وزن إشراك أوسع قاعدة اجتماعية ممكنة في جلسة لمناقشة تعديلات الدستور عقدت باسم قبيلة عربية أصيلة وبمبادرة نفترض انها نبيلة.

أعرف عشرات بل مئات المواطنين الأردنيين الذين يمكنهم تقديم خبرات كبيرة في مساندة المسارات الوطنية في الحراك والمعارضة، لكنهم يبتعدون أو يعتزلون ويشعرون بالإقصاء المسبق على قاعدة الإسفين المسبق، بسبب عبارات أو أدبيات ورسائل ترد في بيانات وخطابات وتصريحات منظمين لنشاطات وفعاليات تحت عنوان حماية الوطن والتصدي لبيع البلد.

لا يمكن بكل بساطة لأي مواطن من فئة الضعفاء أو الأثرياء أن ينضم لأي نشاط يزعم الوطنية، فيما يحرمه المنظمون مسبقا من مواطنيه، لا بل يشكك بعضهم بجنسيتهم ويعتبرونها مكتسبة وبالتالي التلميح ضمنا بأنها «غير شرعية» أو قابلة للمراجعة. كيف يستقيم الأمر؟

وكيف يقبل هواة الحراك والمعارضة بمثل هذا الخطاب ومثل تلك الأدبيات التي يمكن اشتمامها او التقاطها عن بعد؟ وهي أيضا أدبيات تثبت لقطاع واسع من مواطني الشعب الأردني بأن نار الحكومة والسلطة أقل وطأة على الروح والنفس والمصالح من تلك الجنة التي يعد بها الحراكيون والمعارضون أحيانا.

والحق يقال إن خطاب الدولة الرسمي بالعموم لا يتبنى مثل هذه الفروقات وعليه نهنئ الحكومة بمثل تلك الاعتراضات.

* بسام البدارين كاتب وإعلامي أردني

المصدر | القدس العربي