السبت 8 يناير 2022 09:43 ص

قلق كبير في تونس

الممارسات الأمنية الجديدة تعود بالذاكرة الجماعية إلى أحلك فترات الاستبداد وتعلن نهاية آخر فصول الربيع العربي.

عملية اختطاف البحيري نفسها تُخرج تونس من السياق الديمقراطي والمنجز الثوري الذي ظن التونسيون أنه مكسب لا رجعة فيه.

خطورة اختطاف البحيري تتعلّق برمزية الرجل القيادي بحركة النهضة أي أن النظام الجديد دشّن صراعه المباشر مع الإسلاميين ويعتبرهم خصومه ويريد تصفيتهم.

فتح المواجهة الأمنية مع الحزب الأكثر شعبية سيعيد تونس لمربّع التسعينيات حيث عرفت تونس أبشع حملات أمنية صادرت الحقوق والحريات وباتت سجنا كبيرا.

أعظم مؤشرات نهاية الفسحة الثورية عودة هاجس الخوف الجماعي يخيم على التونسيين فقد صاروا متوجسين من زوّار الفجر ولا يعلم أحد إن كان سيُسجن بسبب تدوينة أو موقف أو رأي.

*      *      *

تعيش تونس على وقع تطورات سريعة لم تشهدها منذ عشر سنوات من تاريخ ثورتها. بالأمس القريب تعرّض القيادي في حركة النهضة والنائب ببرلمان الشعب نور الدين البحيري إلى عملية اختطاف أمام منزله، واقتيد إلى جهة مجهولة دون أن تسمح السلطات لأحد بزيارته.

أهمية الحدث وخطورته تتأتى من مصدرين أساسيين: أما الأول فيتعلّق برمزية الرجل قياديا في حركة النهضة وهو ما يوحي بأن النظام الجديد قد دشّن صراعه المباشر مع الإسلاميين، الذين يعتبرهم خصومه السياسيين ويعِد أنصاره بتصفيتهم.

ويتمثل المصدر الثاني في عملية الاختطاف نفسها والتي تُخرج تونس من السياق الديمقراطي والمنجز الثوري الذي ظن التونسيون أنه مكسب لا رجعة فيه.

بناء على ما تقدّم فإن السلطة الجديدة تدشّن واقعا جديدا إن هي تمادت في هذا النهج الخطير الذي أربك الاقتصاد والمجتمع والسياسة ويدفع نحو هاوية الإفلاس.

إن فتح المواجهة الأمنية مع الحزب الأكثر شعبية في البلاد سيعيدها إلى مربّع التسعينيات حيث عرفت تونس أبشع حملات أمنية صودرت بعدها الحقوق والحريات وتحولت إلى سجن كبير.

ليس هذا فقط بل إن الممارسات الأمنية الجديدة تعود بالذاكرة الجماعية إلى أحلك فترات الاستبداد وتعلن نهاية آخر فصول الربيع العربي. إن أعظم المؤشرات على نهاية الفسحة الثورية هو عودة هاجس الخوف الجماعي الذي بدأ يخيم على البلاد والعباد، فقد صار الجميع متوجسا من زوّار الفجر ولا يعلم أحد إن كان سيُسجن بسبب تدوينة أو موقف أو رأي.

صحيح أنّ التونسيين لم يستكملوا مسارهم الثوري وصحيح أيضا أنه لا يمكن لأية ثورة في التاريخ أن تستكمل بناءها في ظرف عقد أو عقدين أو حتى ثلاثة عقود.

الثورات مسارات طويلة تستلزم التضحية والصبر والقدرة على التخلص شيئا فشيئا من رواسب النظام القديم، وليست عصا سحرية تقول للرخاء كن فيكون، أمّا أنْ تتصالح الثورة مع النظام القديم وتعزف عن استئصال كل مكوناته في مفاصل الدولة والمجتمع والاقتصاد فذلك عنوان نهاية الثورة نفسها التي تفتح بيديها الباب لعودة النظام القديم.

رغم أن كثيرا من الملاحظين يربط المشهد التونسي بالمشهد المصري ربطا مطابقا فإن آخرين يؤكدون على خصوصية السياقين وأنه من المبكر الحكم على الثورة التونسية بالفشل رغم تعثر مسارها، بل من الملاحظين من يرى أنّ ما يحدث في تونس درس للثورة لأنه قادر على فرز المشهد وعلى تصحيح الأخطاء التي ارتكبت طوال عقد من عمرها.

* د. محمد هنيد أستاذ محاضر في العلاقات الدولية بجامعة السوربون، باريس.

المصدر | الوطن