الأربعاء 2 ديسمبر 2015 08:12 ص

التأقلم..التكيف..مقاومة التغيير…ثلاث كلمات صغيرة في حجمها كبيرة في مدلولها عندما يتعلق الأمر بالدولة الأردنية والبحث المعمق في أسباب تعطل «الماكينة».

التشخيص ثلاثي الكلمات بالمستوى الوطني هو الأكثر جرأة منذ متابعتي للشأن البرلماني عام 1989 ليس لأن مثل هذا التشخيص نادر ولا يقوله بكل اللغات واللهجات جميع الأردنيين من القمة إلى القاعدة ولكن لأنه يرد لأول مرة تقريبا وبصورة واضحة الملامح وبدون غموض وأجندات ومواقف سياسية مسبقة في تقرير برلماني موثق كان محصلة وثمرة لعمل منهجي ابتكرته كتلة المبادرة البرلمانية.

كنت قد توقعت مسبقا وبعد انتخابات عام 2013 أن يسجل بعض قليل من النواب مفاجأة للجميع في العمل المنهجي. وبسبب صداقة مع أحد النواب الذين يشكلون ظواهر في الحياة السياسية ساتجنب ذكر اسماء لأتحدث عن المبادرة نفسها وما أتحفتنا به في تقريرها الأخير.

في الماضي ومنذ التحول الديمقراطي عام 1989 شاهدنا كمواطنين نوعين من الأداء العشوائي لمؤسسة مجلس النواب الأول ينحصر في بهلوانيات التسحيج والمبالغة في النفاق للنظام والحكومة.

والثاني انحصر في تجارب معارضة إما فردية» نموذج ليث الشبيلات» أو حزبية تنطلق دوما وأبدا من مساحة الضغط على النظام والمعارضة المايكروفونية بدون برامج حقيقية تمثل البدائل وتقنع الناس وتمكث في الأرض.

طوال الوقت اضطرت مستويات القرار لتزوير الانتخابات خوفا من المعارضة وتم تضليل حتى المؤسسات المرجعية بتكريس صنفين من الخوف مرة باسم محاذير الوقوع بمخطط الوطن البديل ومرة بوقوع الدولة بين أحضان الإخوان المسلمين.

طوال الوقت أداء النواب فردي وعشوائي وخدماتي بامتياز، ويكرس القانون السري الذي يحكم الحياة العامة في المملكة وهو المحاصصة القائمة على إرضاء العشائر والقبائل والتوزيع «الجهوي» للمناصب والمكاسب فنتج عن ذلك تشوهات ينكرها الجميع في شكل وآليات وتقنيات العمل العام وفي أعلى المواقع السياسية.

خلافا للمألوف من حق كتلة المبادرة البرلمانية أن نقول إنها من البداية كانت مختلفة وقالت إنها ستختلف عن عقلية القطيع في الإدارة العامة.

خلافا للمألوف اقترحت المبادرة على الحكومة برنامجا باسم «الاشتباك الإيجابي» والشراكة فزهد أعضاؤها وخطابها بالمواقع العامة وبخدمات الجهة والقبيلة وانصرفوا ولأول مرة لساعات مريرة ومستمرة من العمل وجها لوجه في الميدان مع الوزراء والمسؤولين في الدوائر التنفيذية.

الشعار كان بعد اكتشاف وتشخيص المشكلة هو «وضع الحلول» وسواء أعجب ذلك من يكرهون المبادرة أو يشككون فيها وبرموزها فهو يحصل لأول مرة ـ على حد علمي- في البرلمان الأردني حيث لا خطابات نارية ضد الحكومة لأغراض استقطاب الأصوات ولا متاجرة بين مراكز قوى ولا مشكلات تفضح بغرض الضغط من أجل مكاسب صغيرة وجهوية وقبلية.

المشكلات الأساسية في سبعة قطاعات على الأقل تم إقرارها ولأول مرة أيضا بالتعاون مع الوزراء والمسؤولين الذين حاول بعضهم التذاكي والتلاعب بالحيثيات. وبما أن جهدا تشاركيا انفعل وتفاعل في تشخيص المشكلة وضعت الحلول على طاولة مشتركة وأعلنت للناس وللحكم.

بصراحة وبساطة لم تعمل الكتل البرلمانية في الماضي بهذه الطريقة ووفقا لهذه المنهجية…نعم يحصل ذلك لأول مرة في البرلمان الأردني بدون تسحيج أو تهويل أو شعارات معارضة فارغة ولأن ذلك حقيقي هذه المرة يحارب كثيرون الظاهرة والسلوك الجديد ليس فقط من داخل مجلس النواب ولكن أيضا من داخل النظام والدولة.

ثمة تفاصيل كثيرة في سياق فعاليات المبادرة إياها لكن ما يهمني شخصيا الثلاثية التي شخصت فيها بتقريرها الأخير مشكلة الدولة الأردنية وليس الحكومة فقط وعلى أساس عبارة لها مفعول السحر السياسي برأيي الشخصي حيث أن المحاصصة والأعطيات في إدارة الدولة الأردنية تسببت بالثلاثية التي دفعت الماكينة لحالة خمول محبطة حيث الإخفاق بالتكيف وغياب القدرة على التأقلم وأخيرا وثالثا بروز ميل طبيعي لمقاومة التغيير.

يفسر ذلك ظواهر عجيبة وعديدة طالما احتار المراقبون بقراءتها في مملكة تجاوزت سؤال الشرعية ويديرها اليوم أقدم نظام حكم في التاريخ الحديث.

يفسر ذلك الجنوح الغامض الغريب والدائم لمقاومة أي تغيير مهما كان مفيدا حتى برأي من يقاومه.

يفسر الاضطرار دوما لتزوير الانتخابات ليس للحفاظ على النظام بل على نظام المحاصصة وحتى لا يغضب من لا حصة لهم، كما يفسر الاحتفاظ ببعض المشتبه بفسادهم أو عودتهم للمواقع العامة، ويفسر بالتأكيد نظام «تدوير النخب» المتبع. والسؤال الأزلي الذي لا يقتصر ترديده اليوم على الناس فقط بعنوان» منين نجيب سياسيين ومسؤولين ورموز»؟.

ما شخصته المبادرة يفسر أيضا الدوافع التي تمنع الإبداع والخيال والحلول العملية في كل الإدارات الحكومية خصوصا عندما يتطلب الأمر عملا جماعيا. ويفسر، وقد يكون ذلك الأهم، المفارقات التي تحصل أحيانا خارج السياق المعتاد في تاريخ النظام حيث توجد «أوامر وتعليمات مرجعية لا تنفذ» في بعض الأحيان ومشكلات لا تعالج رغم صدور التوجيه الملكي بخصوصها وحيث ترصد تباينات مزعجة وتلتهم رصيد الدولة والنظام بين ما يقال وما يحصل على الأرض في الواقع.

المحاصصة البغيضة تفسر أيضا الاستمرار في وضع الرجل غير المناسب في المكان المناسب وتوارث المناصب وحصر الامتيازات بعائلات وأجنحة محددة من بعض العشائر والقبائل وتفسر بالضرورة كل أنماط الترهل والتخبط الإداري.

أنصح القيادة بالانتباه جيدا لتشخيصات المبادرة. وأحب كمواطن قبل أي اعتبار، أن لا تنضم وثائق المبادرة البرلمانية إلى متحف الوثائق الإصلاحية الحافل بالأفكار النبيلة «ورقيا». وأرى مجددا بأن الديمقراطية يصنعها الديمقراطيون والتغيير ينتجه المؤمنون به فعلا ولا يمكن بكل تأكيد إصلاح البلاد والعباد بالأدوات الموجودة حاليا في الإدارة والحكم.

لو استفتاني القوم لاتجهت بصوتي وفورا نحو تشكيل حكومة جديدة من "المبادرة" والله من وراء القصد.

 

* بسام البدارين إعلامي أردني.