الخميس 20 يناير 2022 07:17 ص

حتى لا ينقطع المعروف!

جزاء الإحسان بالشرّ! يحدث هذا دائماً لكنّنا نتجاهل الأسباب ونحتكم فقط لمعطياتنا الخاصة دون سماع معطيات الطرف الآخر وأسبابه.

نظرت دائماً إلى الحكمة الشعبية "اتقّ شرّ من أحسنت إليه" بعين الشك والريبة، بل كانت مدخلي إلى التشكيك بمقولات دارجة وأحكام شائعة كثيرة!

كيف نأخذ بمقولة تحضّ على عدم الإحسان بهذا التوكيد البشري الكبير الذي ضمن لها شهرة وذيوع خاتمة لقصص الخذلان والغدر خاصة بين تربطهم علاقة مميزة؟

الطرف الآخر الذي يجازيك بالشرّ بعد إحسانك إليه لا يفعل ذلك غالباً جزاء لك، بل يفعله كحالة مستقلة عن حالة الإحسان التي تلقاها أو فعلها ولا يقصد إساءة إليك.

*      *      *

كنت أنظر دائماً إلى الحكمة الشعبية "اتقّ شرّ من أحسنت إليه" بعين الشك والريبة، بل إنّها كانت مدخلي إلى التشكيك بمقولات دارجة وأحكام شائعة كثيرة اعتدنا أن نضعها في محفظة الحكم الشعبية، باعتبارها خلاصة التجارب الإنسانية المقطرة على مر الأزمان.

لكنّ الحكم الشعبية، ومثلها الأمثال، تبدو متناقضةً، في أحيانٍ كثيرة، وفقاً لتناقض التجارب الإنسانية بالتأكيد، على أنّ المشتركات كثيرة والمتشابهات بينها أكثر، وهو ما جعلها تصمد في حكم التجارب والأقوال عموماً.

لكن، كيف يمكن أن نأخذ تلك المقولة التي تحضّ على عدم الإحسان بهذا التوكيد البشري الكبير الذي ضمن لها الشهرة والذيوع خاتمة لكلّ قصص الخذلان والغدر بين الناس، خصوصاً من تربطهم علاقة مميزة بعضهم ببعض؟

جرّب أن تستشهد بتلك المقولة بين مجموعة من معارفك أو زملائك في العمل أو أفراد أسرتك أو أصدقائك، وستندلق عليك حكايات كثيرة مؤلمة سيحكيها أصحابها بحماس ووجع وأحياناً بدموع.

لكلّ منا قصته الخاصة أو قصصه الخاصة الكثيرة مع هذه المقولة، أي مع أناسٍ أحسنّا إليهم ذات يوم، فكان جزاء الإحسان هو الشرّ! نعم، صحيح يحدث هذا دائماً، لكنّنا نتجاهل أحياناً الأسباب، ونحتكم فقط إلى معطياتنا الخاصة من دون سماع معطيات الطرف الآخر وأسبابه.

صحيحٌ أنّ من الطبيعي انحياز المرء لأفكاره الخاصة في أيّ نقاش حرّ بينه وبين الآخر، لكنّ الصحيح أيضاً أن نترك فسحةً من الفراغ في مساحة الفهم، لكي نستمع بهدوء وموضوعية لما يرشح لنا من النقاش عموماً.

عندما حاولتُ أن أفعل ذلك في أكثر من تجربة خذلان مرّت بي، وجدت الكثير من العزاء النفسي في تلك المساحة التي أخليتها. وجدت أنّ الطرف الآخر الذي يجازيك بما تعتقده الشرّ بعد أن أحسنت إليه لا يفعل ذلك غالباً جزاء لك، بل يفعله إما في حالة مستقلة تماماً عن حالة الإحسان التي تلقاها أو أنه فعلها وهو لا يقصد أنّه يسيء إليك. نعم .. هذا ما يحدث، مع الاعتراف بحالات استثنائية كثيرة شاذّة يبادر إليها المسيء قاصداً!

قبل أيام، شاهدتُ مقطعاً مصوّراً في أحد الشوارع الغربية لرجل يرى شخصا آخر نائماً على رصيف الشارع في حالة يُرثى لها من البرد والعوز كما يبدو عليه، فرقّ قلب الرجل ونزع معطفه ليغطيه، حماية له من البرد على الأقل، لكنّ ذلك الرجل الذي وصفه الخبر المنشور مع المقطع بالمتشرّد، هبّ واقفاً فجأة ليعتدي على الرجل الرحوم ويضربه، ويسرق محفظته ويلوذ بالفرار.

معظم التعليقات التي كتبها الناس على ذلك المقطع استعارت مقولة "اتّق شرّ من أحسنت إليه" وهو ما دفعني إلى التفكر في ما وراء تلك المقولة الذائعة كحكمة شعبية خالدة.

لم يقصد "المتشرّد" مجازاة الرجل الذي عطف عليه بالشرّ، رغم أنّ هذا ما حدث فعلاً أمام أعيننا، لكنّنا لا نعرف دوافعه الحقيقية، فمن غير المنطقي ولا المعقول أن يردّ المرء على من بادر لمساعدته بهذا الشكل العنيف والمؤذي والصادم فورياً!

ومع أنّ لا شيء يمكن أن يبرّر له ما فعله، فإنّ إشاعة مثل هذه "الرؤية" السلبية لأفعال الخير العفوية مرفقة بتلك النصيحة التي تحضّ على "اتّق شرّ من أحسنت إليه"، قد تشجّع على هجر الخير تجاه الآخرين، وتجنب مساعدة من يحتاج المساعدة، فالأصل في العطاء أن نبادر إليه بلا نيّاتٍ مسبقة ولا انتظار لرده.

وبالتالي، علينا ألّا نربط بين أيّ خير قدّمناه للآخرين ونتائج سلبية حصلنا عليها منهم، على الأقل حتى لا ينقطع المعروف بين الناس.

* سعدية مفرح كاتبة وصحفية وشاعرة كويتية

المصدر | العربي الجديد