الثلاثاء 3 يونيو 2014 03:06 ص

 

لأسباب تاريخية ولوقائع محددة يبرر الكاتب اتهام المنامة لإيران بالتحريض على الفتنة، كما يبرر مخاوف المسؤولين الأمريكيين من دعم طهران للأعمال الإرهابية في البحرين. لكنه في المقابل يؤكد أنّ المنامة تعاني من فقدان المصداقية نظرا إلى الاستجابة القاسية التي جابهت بها كل من المحتجين المسالمين والمعتدين العنيفين على مدى السنوات الثلاث الماضية.

لذا، يدعو الكاتب حكومة البحرين إلى إظهار التزام أوضح بسيادة القانون، وإلى التمييز بين المتظاهرين والإرهابيين والتعامل مع كل جهة على هذا الأساس. فعند ذلك فقط سيكون شركاؤها الأجانب قادرين على إجراء تقييم فعال للأدلة الجديدة حول الدعم الإيراني للمتشددين المحليين.

ماثيو ليفيت، معهد واشنطن

في الخامس من مايو/أيار - في ما أصبح حدثا نموذجيا على نحو متزايد في البحرين - قام عدة أشخاص بإلقاء قنابل مولوتوف على مركزٍ للشرطة في المنامة، مما أدى إلى إلحاق أضرار بواجهات المحلات إلا أنه لم يُسفر عن وقوع إصابات.

وقد اشتدت حدة هذه الأحداث على مدى الأشهر القليلة الماضية في القرى الشيعية المحيطة بالعاصمة، المنامة. وفي كثير من الحالات، كان أفرادٌ من الأغلبية الشيعية في البحرين متورطين في مثل هذه الهجمات. وقد ألقى النظام الملكي السني في الجزيرة باللائمة على نظام إيران الشيعي لدعمه العنف وتقويضه حكمها.

في الوقت نفسه، يشعر المسؤولون الأمريكيون بمخاوفهم الخاصة من دعم طهران للأعمال الإرهابية في البحرين. إلا أن المنامة تعاني من مشكلة في المصداقية نظرا إلى الاستجابة القاسية التي جابهت بها الاحتجاجات السلمية على مدى السنوات الثلاث الماضية، الأمر الذي يجعل من الصعب للغاية تقييم مدى ضلوع طهران في دعم العنف بصورة نشطة.

ثغرة في المصداقية

منذ شباط/فبراير 2011 تجتاح الاضطرابات المتدنية المستوى المملكة مع نزول المحتجين السلميين إلى الشوارع في سياق "الربيع العربي". وقد قامت حكومة «آل خليفة» بقمع المظاهرات بالعنف، حتى أنها حكمت على الأطباء والممرضين الذين عالجوا المتظاهرين الجرحى بالسجن لفترات تتراوح بين خمسة أعوام وعشرين عاما بتهم تتعلق بالإرهاب. ومع أن هذه التهم كانت ملفّقة، سرعان ما بدت بعض التهم الموجهة ضد مشتبهين آخرين شرعية حين تحولت الاحتجاجات السلمية إلى فورات من العنف.

ومن المؤسف أنّ المنامة مسؤولة إلى حدٍ كبير عن تعتيم الخط الفاصل بين الاحتجاج السياسي والعنف. فقد وضعت الحكومة «حزب الله» وعدّة جماعات شيعية عنيفة على لائحة الإرهاب، مصرة على أن إيران تقف وراء العنف. إلا أن إجراءاتها العشوائية الصارمة دفعت البعض إلى اعتبار المزاعم حول رعاية إيران لهذه الأعمال مجرد حرب دعائية هدفها تشويه أي تحدٍّ يعترض النظام الملكي.

ومع ذلك، لا يمكن الإنكار أن الاعتداءات مع مستواها المنخفض، تواصل اكتساح المملكة بوتيرة متصاعدة. وفي حين يتعذر ربط كل حدث مماثل بطهران، برزت تقارير تفيد عن وجود بصمة إيرانية في مسرح هذه الحوادث.

وبوجه الخصوص بيّنت حادثة القبض على قارب سريع من العراق كان ينقل أسلحة ومتفجرات إيرانية في ديسمبر/كانون الأول 2013 أنه لا يمكن استبعاد المخاوف من التدخل الإيراني في البحرين بلا تفكير. ونظرا إلى تاريخ طهران في إثارة العنف على الجزيرة، يجدر فعلا التحقيق بدقة في هذه المخاوف.

السياق التاريخي

البحرين تعتبر حالة دقيقة حيث أن الأسرة الحاكمة سنية وتحكم شعبا ذو غالبية شيعية في جزيرة صغيرة ترتبط بجسر إلى المملكة العربية السعودية وتقع على بعد 124 كيلومتر فقط عبر الخليج من إيران.

في أعقاب الثورة الإسلامية عام 1979، بدأت إيران رعاية الأعمال الإرهابية في العديد من البلدان كوسيلة لتصدير ثورتها وتعزيز مصالحها الاستراتيجية.

ويشير تقريرٌ صادر عن «وكالة الاستخبارات المركزية» الأمريكية حول الإرهاب المدعوم من طهران إلى أن البحرين كانت «مستهدفة بمؤامرة إرهابية» عام 1987، إلا أن النسخة التي رُفع عنها التصنيف من التقرير لم تشمل تفاصيل عن هذه الحادثة. وفي تقريرٍ صدر في يوليو/تموز 1988، حذّرت الوكالة من أن المصالح الأمريكية في البحرين والكويت تشكل «أهدافا مؤاتية ومناسبة» للهجمات التي ترعاها إيران، نظرا إلى علاقة كل بلد مع واشنطن واتساع قاعدة المغتربين الإيرانيين فيها.

وأوضحت الوكالة في تقرير آخر لذلك العام:

رغم أن بعض الأعمال الإرهابية التي ارتكبها الشيعة لم تحدث بإذن صريح من طهران، إلا أن طهران تشجع مثل هذه الأعمال من حيث المبدأ ويمكنها أن تدعو هؤلاء المتطرفين إلى شن عمليات إرهابية. وتشمل الفصائل المدعومة من إيران، «المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق»، و «منظمة الثورة الإسلامية في شبه الجزيرة العربية»، و«الجبهة الإسلامية لتحرير البحرين»، و«حزب الدعوة الإسلامي»، الذي لديه فروع في البحرين والكويت ولبنان.

في البحرين، تدعم طهران منذ زمن بعيد فروع التنظيمات الشيعية المقاتلة مثل «حزب الله» و«حزب الدعوة». وفي عام 1986، باشرت المنامة بالقضاء على «حزب الله البحريني»؛ وبعد عام على ذلك قامت بتوقيف ومحاكمة تسعة وخمسين متهما من أعضائه. لكن هذه الجماعة كانت لا تزال بمنأى عن الهزيمة - ففي مارس/آذار 1997، أوقفت أجهزة الاستخبارات الكويتية ثلاثة عشر بحرينيا وعراقيَيْن اثنيْن في مدينة الكويت، كانوا يعملون في ذلك الوقت تحت اسم «حزب الله الخليج». وكشفت المراسلات التي ضبطت في منازلهم أن لديهم اتصالات مع أشخاص في دمشق - سوريا، وقم - إيران، وأنهم كانوا يجمعون الأموال لإرسالها إلى البحرين.

ونقلا عن لسان المسؤولين البحرينيين، يحتمل أن يكون سبعة وثلاثين عضوا معروفا آخر من الجماعة قد فرّ إلى إيران أو لبنان. إن علاقاتهم المحتملة بإيران، ناهيك عن اسم «حزب الله الخليج» الذي اعتمدته خلية الكويت، قد دفع المحللين في «وكالة الاستخبارات المركزية» إلى الاستنتاج في تقرير في مايو/آيار 1997 بأن «طهران ربما تعمل على تشكيل خلية جديدة لحزب الله من أجل التصدي للحكومة البحرينية».

الجيل القادم من المقاومة في البحرين؟

بعد أن بدأت المنامة بقمع الاحتجاجات الشعبية عام 2011، نظمّت العديد من الجماعات الشيعية المقاتلة نفسها لمجابهة حكومة «آل خليفة». وإلى جانب تنظيم «حزب الله البحريني» المعروف، تعدّ ثلاث من هذه الجماعات مثيرة للقلق بشكل خاص، وهي:

  1. «سرايا الأشتر»، مدرجة كجماعة ارهابية من قبل المنامة، وكانت قد أصدرت أول بيان لها في أبريل/نيسان 2013؛ ومنذ ذلك الحين تبنّت عشرين تفجيرا ضد أفراد قوات الأمن. ووفقا للمحلل «فيليب سميث»، أعلنت مسؤوليتها عن التفجير الذي وقع في 3 آذار/مارس والذي أسفر عن مقتل ثلاثة من رجال الشرطة، من بينهم ضابط إماراتي.
  2. «سرايا المقاومة الشعبية»، ادعت أيضا مسؤوليتها عن الهجوم الذي وقع في الثالث من مارس/آذار وأُدرجت فيما بعد كجماعة إرهابية. وتقوم بتنفيذ العمليات منذ أغسطس/آب 2012 كما أنها مرتبطة علنيا بـ «ائتلاف شباب ثورة 14 فبراير» - وهي جماعة احتجاج مناهضة للحكومة. ووفقا لـ «سميث»، تدّعي سرايا المقاومة الشعبية أنها تمارس «الجهاد ضد آل خليفة الكفار». وقد فجّرت حتى الآن عبوتان ناسفتان في مركز تجاري بحريني (وأصدرت بيانا- مقدما- للتحذير من الانفجار) ؛ كما ادعت أنها فجرت عبوة ناسفة بالقرب من القاعدة البحرية الأمريكية في البحرين، التي هي بمثابة مقر الأسطول الخامس.
  3. «سرايا المختار»، ظهرت في سبتمبر/أيلول 2013، وتبنت عددا من الهجمات ضد قوات الأمن البحرينية، بما في ذلك الهجمات بالعبوات الناسفة الخام، على الرغم من أن المنامة لم تدرجها بعد كمنظمة إرهابية. ووفقا لـ«سميث»، هي الفصيلة الشيعية الوحيدة في البحرين التي تتبنى علنا أهدافا إقليمية وتعتبر النزاع القائم في الجزيرة جزءا من صراعٍ أكبر مع النظام الملكي السعودي .

التقارير تشير على الأقل إلى مستوى معين من الدعم الإيراني للحركات القتالية الشيعية في البحرين. فعلى سبيل المثال، استشهدت إحدى الرويات التي نشرها «ديفيد إغناتيوس» في صحيفة واشنطن بوست عام 2011 نقلا عن مسؤول سعودي الذي صرّح أن «غلام شكوري» - وهو ضابط بارز في «فيلق القدس» - ساهم في تنظيم المحتجين الشيعة المتشددين في البحرين. وعلى وجه التحديد، التقى «شكوري» وإيرانيين آخرين مع رجل الدين الشيعي البحريني المتطرف «حسن مشيمع» خلال رحلة توقف فيها في بيروت في فبراير/شباط 2011.

شحنة الأسلحة الإيرانية

في 30 ديسمبر/كانون الأول 2013، اعترضت قوات خفر السواحل البحرينية زورقا سريعا من العراق محمّلا بأسلحة ومتفجرات معدة للمتطرفين الشيعة في البحرين. ومن بين المواد المصادرة كانت هناك 50 قنبلة إيرانية الصنع وما يقرب من 300 عبوة ناسفة مكتوب عليها «صُنعت في سوريا». وفي استجوابهم، «اعترف المشتبه بهم أنهم تلقوا تدريبا شبه عسكري في إيران»، وفقا لـ "تقارير البلدان الخاصة بالإرهاب" الصادرة عن وزارة الخارجية الأمريكية.

وفي خبر لاحق نشرته قناة بي بي سي، وصف أحد الدبلوماسيين الغربيين الحادثة بأنها «أكبر عملية لمصادرة الأسلحة في سياق مكافحة الإرهاب خلال عامين».

وبعد فترة وجيزة من الاستيلاء على القارب، داهم مسؤولون بحرينيون مخازن الأسلحة المشتبه بها، وكشفوا "كمية ضخمة من المتفجرات" إلى جانب صواعق تفجير تجارية صُنعت في سوريا، وبنادق، ومواد لصنع القنابل، وأكثر من ذلك.

الخاتمة

بما أن الحكومة البحرينية أطلقت استغاثة كاذبة أكثر من مرة - عندما وصفت المتظاهرين والمعالجين الطبيين المتخصصين بـ«الإرهابيين»- وألقت مسؤولية حدوث الاضطرابات الداخلية مرارا وتكرارا على إيران - فقد أحدثت ثغرة في مصداقيتها لا يمكن التغلب عليها بسهولة. فالطريقة القاسية التي تعاملت بها المنامة مع كل من المحتجين المسالمين والمعتدين العنيفين دفعت المحللين إلى التساؤل عن مدى مصداقية الأدلة المختلفة التي قيل إنها ضُبطت في كانون ديسمبر/الأول.

وفي المرحلة القادمة، ستحتاج الحكومة البحرينية إلى إظهار التزام أوضح بسيادة القانون، وإلى التمييز بين المتظاهرين والإرهابيين والتعامل مع كل جهة على هذا الأساس. فعند ذلك فقط سيكون شركاؤها الأجانب قادرين على إجراء تقييم فعال للأدلة الجديدة حول الدعم الإيراني للمتشددين المحليين. ■

 

ماثيو ليفيت هو زميل "فورمر- ويكسلر" ومدير برنامج ستاين للاستخبارات ومكافحة الإرهاب بمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدني وثيق الصلة باللوبي الإسرائيلي بالعاصمة الأمريكية. وأحدث كتبه هو «حزب الله»: البصمة العالمية الواضحة لـ «حزب الله» اللبناني".

مختصر عن النص الأصلي - المصدر (معهد اشنطن)