حرب أوكرانيا والتهديد النووي

كل بلد يمتلك السلاح النووي قادر على الرد بعنف حال تعرضه لهجوم على أرضه بهدف ردع المعتدي المحتمل.

هل يستطيع بوتين استخدام السلاح النووي في إطار حرب أوكرانيا، وليس في إطار توسع الحرب إلى التراب الروسي؟

أوكرانيا تخلت عن السلاح النووي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، ولكن الضمانات الأمنية التي مُنحت لها لاحقا لم تُحترم.

هناك جانب يتعلق بالموضوع النووي يمكن أن يؤدي لا لنزع الأسلحة، بل لانتشارها، ألا وهو: رفض حلف الناتو الدخول في حرب ضد بلد يمتلك السلاح النووي.

أعادت حرب أوكرانيا التهديد النووي لواجهة الأحداث الاستراتيجية إذ ألمح مسؤولون روس ومنهم بوتين أن روسيا قد تلجأ للسلاح النووي دون توضيح شروط استخدامه.

* * *

أعادت العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا التهديد النووي إلى واجهة الأحداث الاستراتيجية. إذ ألمح بعض المسؤولين الروس، ومنهم فلاديمير بوتين نفسه، إلى أن موسكو يمكن أن تلجأ إلى السلاح النووي من دون أن يوضحوا ظروفَ استخدامه.

يتعلق الأمر هنا بنظرية الردع الكلاسيكية التي مؤداها أن كل بلد يمتلك السلاح النووي قادر على الرد بعنف في حال تعرضه لهجوم على أرضه، وذلك بهدف ردع المعتدي المحتمل.

هذه التصريحات الروسية أثارت تخوفات الرأي العام، خاصة الأوروبي، حيث تساءل الكثيرون، منهم في فرنسا، ما إن كان بوتين يستطيع استخدام السلاح النووي في إطار الحرب التي يخوضها في أوكرانيا، وليس في إطار توسع الحرب على التراب الروسي.

وأمام هذه المخاوف، لا شك أن الحملات من أجل نزع الأسلحة النووية ستُستأنف. فمنذ أن تلقت الحملة من أجل حظر الأسلحة النووية جائزة نوبل للسلام في 2017، تظهر بين الحين والآخر مبادرات لتفرض على البلدان النووية التخلي عن ذاك النوع من الأسلحة والتقدم نحو نزع عام وكامل للأسلحة النووية.

ورغم أن باراك أوباما نفسه راودته هذه الفكرة، إلا أن القوى النووية الخمس الرسمية – الولايات المتحدة، وروسيا، وفرنسا، والمملكة المتحدة، والصين – ليست مستعدة في الحقيقة للتخلي عن السلاح النووي رغم الالتزام الذي التزمته من خلال توقيعها «اتفاقية حظر الانتشار النووي» – حيث يشكل النزع العام والكامل للأسلحة النووية هدفاً طويل المدى للاتفاقية التي لم يحدَّد لها جدول زمني.

وفي إطار أزمة أوكرانيا، هناك جانب آخر يتعلق بالموضوع النووي يمكن أن يؤدي ليس إلى نزع الأسلحة، وإنما إلى انتشارها، ألا وهو: رفض حلف الناتو الدخول في حرب ضد بلد يمتلك السلاح النووي.

فالبلدان الأعضاء في الحلف، ورغم إعلانها تضامنها مع أوكرانيا، إلا أنها لا تريد الدخول في حرب ضد روسيا، وذلك لأنها قوة نووية. وعلى سبيل المقارنة، فإن الناتو خاض حرباً ضد يوغسلافيا في 1990.

ولو كان ميلوسيفيتش يملك السلاح النووي وقتئذ، لما انخرطت البلدان الأعضاء في الناتو في حرب ضد نظامه على ما يبدو. غير أن هذا الفرق في الموقف إزاء روسيا – أي الاعتراف بشكل شبه رسمي بأن الناتو لا يهاجم موسكو لأنها تمتلك أسلحة نووية – يمكن أن يدفع بلدانا أخرى إلى السعي إلى حماية وتحصين نفسها عبر تطوير برامج أسلحة نووية.

فهل يمكنهم تصديق وعد بلد ثالث يؤكد أنه مستعد للدفاع عنهم في حال تعرضهم لهجوم؟ وهل سيهبّ هذا البلد للدفاع عنهم بشكل متأخر وبعد فوات الأوان عبر منحهم أسلحة حينما تندلع الحرب وبعد تعرض بلدهم للدمار أو الاحتلال؟ هذا الانتشار النووي الجديد يمكن أن يحدث في الشرق الأوسط، ولكن أيضاً في بلدان أخرى تعتبر أمنها مهدَّداً، حيث يمكن أن يبدو السلاح النووي اليوم حلاًّ بالنسبة لهم.

ولسائل أن يسأل هنا حول الفرق بين كيم جونغ أون أو صدام حسين أو معمر القذافي؟ الفرق بالطبع هو أن أحدهم يمتلك السلاح النووي وما زال في السلطة، في حين أن الاثنين الآخرين لم يكونا يمتلكانه وقُضي عليهما.

وأوكرانيا تخلت عن السلاح النووي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، ولكن الضمانات الأمنية التي مُنحت لها لاحقا لم تُحترم. نلاحظ إذن خطر الانتشار النووي الجديد هذا.

وبالطبع، تطوير السلاح النووي عميلةٌ طويلةٌ. وإذا انخرطت دولة ما في تطويره، فهناك احتمالات قوية لأن يتم رصدها واكتشاف أمرها وبالتالي لن تظل العملية سرية. وعلى كل حال، يعود موضوع السلاح النووي اليوم إلى واجهة الساحة الاستراتيجية مع الحرب في أوكرانيا.

ومما لا شك فيه أنه ستكون هناك حملات مهمة من أجل نزع الأسلحة النووية عقب هذه الحرب، ولكن أيضا حملات سرية من أجل الذهاب نحو الانتشار النووي.

* د. باسكال بونيفاس مدير معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس

المصدر | الاتحاد